00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • عزبزة المعراج تكتب / نريد جميلاً يُستطاع.. لا مستحيلاً يُهدر العمر على أعتابه
- مقال اليوم

عزبزة المعراج تكتب / نريد جميلاً يُستطاع.. لا مستحيلاً يُهدر العمر على أعتابه

  في كلّ أُمّة مَعالم تمَثل  وجدانَها الجمعي، ومؤسسات ترتقي لتكونَ أوسِمة على صدر تاريخِها. وفي السودان، ظلت جامعاتنا القومية العريقة قلاعا للعلم ورموزاً للمجد؛ فكان خريجو “جامعة الخرطوم” يملؤهم الزهو في كل المحافل وهم ينتسبون إلى “الجميلة المستحيلة”، بينما كنا نحن—خريجي “جامعة الجزيرة”—نقابل هذا الزهو بزهو وشموخ مقابل، كيف لا ؟! ونحن نحتمي بظل […]

 

في كلّ أُمّة مَعالم تمَثل  وجدانَها الجمعي، ومؤسسات ترتقي لتكونَ أوسِمة على صدر تاريخِها. وفي السودان، ظلت جامعاتنا القومية العريقة قلاعا للعلم ورموزاً للمجد؛ فكان خريجو “جامعة الخرطوم” يملؤهم الزهو في كل المحافل وهم ينتسبون إلى “الجميلة المستحيلة”، بينما كنا نحن—خريجي “جامعة الجزيرة”—نقابل هذا الزهو بزهو وشموخ مقابل، كيف لا ؟! ونحن نحتمي بظل “قلعة العلم والمعرفة” ورسالتها التنموية الخالدة. سقى الله تلكم الأيام ذاك الافتخار والنضار الأكاديمي المشحونة بالندية … فقد كان ماضياً جميلاً يُحسد عليه الوطن، قبل أن تبدده الأزمات وتذروه الرياح.

في الحقيقة برز تحول صامتة لكنه قاطعٌ وعميقُ الدلالة، اصبح يقرعُ ناقوسَ الخطرِ في المشهدِ الأكاديمي اليوم. حين نرى الأولى على مستوى الشهادة السودانية والتي كرمت من رئاسة مجلس السيادة لا تلقي بالا لزهو الماضي والعراقة وتتجاوز عرشَ كليّة الطب بجامعة الخرطوم، وتُفضِّلُ بقرارٍ واعٍ ومدروس الالتحاقَ بـ جامعةٍ خاصة، فإننا لا نكونُ أمامَ مجردِ خيارٍ فردي عابر، بل أمامَ “رسالة مراجعة قاسية” تُعلن بوضوح: إن الإرث والتاريخَ وحدهما لم يعدا يكفيان لضمان المستقبل.

 

لقد ظلّ التعليمُ الحكوميّ القوميُّ لسنواتٍ طوالٍ يرزحُ تحت وطأةِ التجاذبات، وتداعي الميزانيات، والإغلاقات المتكررة التي اختطفت من عُمْرِ الشبابِ زهرةَ سنواتهم. وحين أطلّتِ الحربُ بظلالها القاتمة ، تجردت بوضوح الفوارقُ البنيوية بينَ الجمودِ والمرونة.

فبينما استسلمت المؤسساتُ العريقةُ لروتينِها المركزي، ووقفت مكبلة الأيدي أمامَ جائحةِ الحربِ والدمار، كانت الجامعاتُ الخاصةُ تُبدي قدرةً فائقةً على التكيفِ وإدارةِ الأزمات. سارعت إلى تبني أدواتِ “التعليم عن بعد”، وعقدت شراكاتٍ استراتيجيةً مع جامعاتٍ إقليميةٍ ودولية، بل ونقلت بعضَ عملياتِها إلى فروعٍ خارجَ الحدود؛ فكانت النتيجةُ ألا يفقدَ طالبُها يوماً دراسياً واحداً، في حين يرقبُ طالبُ الجامعةِ الحكوميةِ الأفقَ بانتظارِ مجهول طالَ أمده.

 

إنّ الفارقَ بينَ المؤسستين لم يتوقف عند الحدود التكنولوجية أو الجغرافية، بل تعداه إلى “رأس المال البشري”. فالجامعاتُ العريقةُ—كالخرطوم والجزيرة وإخواتهما—لم تفقد فقط قاعاتها ومختبراتها، بل خسرت نزيفاً متواصلاً من جِلّ أساتذتها وعلمائها الذين جرفتهم رياحُ الاستقطابِ والإحباط، إما للهجرةِ أو للعمل في بيئاتٍ أكثر استقراراً وتقديراً.

وهنا تكمنُ المأساة، فالإرث الأكاديمي ليس أحجاراً تُقاومُ النسيان، بل هو عقولٌ تتجدد. وحينَ تُفرغ المؤسسةُ العريقةُ من علمائها، تصبحُ العراقة مجردَ صدىً لصوتٍ كان في الماضي جميلاً وشامخاً، لكنه لم يعد يُطربُ ….واقعاً يتطلبُ الحداثةَ والسرعة.

 

ليس هذا الطرحُ انحيازاً للتعليم الخاصلا سمح الله ، ولا تبخيساً لتاريخِ جامعاتنا القوميةِ التي خرجت النوابغَ وبنت الدولةَ السودانية؛ بل هو “صرخةُ حُبٍّ تحذيرية” نابعةٌ من قلبِ الوجدانِ الأكاديمي.

إن الجامعاتِ العريقةَ في العالم أجمع لم تحافظ على صدارتها لأنها قديمة، بل لأنها كانت الأكثر درايةً بروحِ عصرها، والأسرعَ تحولاً وتطويراً لمناهجها وأدواتها. أما العيشُ على أطلالِ “الماضي التليد” واستدعاءُ الهيبة القديمة دونَ تقديمِ حلول لواقعِ الطالبِ المعاش، فهو طريقٌ سالكٌ نحو الهامشية.

حريٌّ بتلك المؤسساتِ الكبيرة أن تنهضَ من كبوتها، وأن تتخففَ من أثقالِ البيروقراطية، وتستعيدَ مرونتها لإنقاذ ما تبقى من إرثها العظيم.

إنّ رسالةَ هذا الجيل ورسالةَ الأولى على الشهادة السودانية اليوم صريحةٌ ولا تحتملُ اللبس: “نريدُ جميلاً يُستطاعُ الوصولُ إليه.. لا مستحيلاً يُهدرُ العمرَ على أعتابه.”

 

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.