00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • عزيزة المعراج تكتب / الدكتورة هبة عثمان سيد أحمد: إشراقةُ العَطاءِ في هَيبةِ المَقام
- مقال اليوم

عزيزة المعراج تكتب / الدكتورة هبة عثمان سيد أحمد: إشراقةُ العَطاءِ في هَيبةِ المَقام

  بعض الناس تعرفهم من مناصبهم، وبعضهم تعرف المناصب بهم. وهبة عثمان سيد أحمد من أولئك الذين لا تختصرهم الألقاب، ولا تحيط بهم المسميات الوظيفية. فهي قبل أن تكون عميدة كلية الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة الجزيرة، إنسانة لها حضورها الخاص، وروحها التي تسبقها إلى القلوب، وشخصية تجمع في مزيج نادر بين خفة الروح وهيبة المسؤولية، […]

 

بعض الناس تعرفهم من مناصبهم، وبعضهم تعرف المناصب بهم.

وهبة عثمان سيد أحمد من أولئك الذين لا تختصرهم الألقاب، ولا تحيط بهم المسميات الوظيفية. فهي قبل أن تكون عميدة كلية الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة الجزيرة، إنسانة لها حضورها الخاص، وروحها التي تسبقها إلى القلوب، وشخصية تجمع في مزيج نادر بين خفة الروح وهيبة المسؤولية، وبين الحزم الإداري ورحابة القلب.

ولأن شهادتي فيها مجروحة، أقولها بلا مواربة؛ مجروحة بمحبتي العريضة والعميقة لها، وبسنوات من المعرفة والقرب، وبما رأيته ولمسته، لا بما سمعت فقط.

وأنا أسميها «أخت البدور».

ليس الاسم هنا زينة لغوية، ولا لقبًا عابرًا، وإنما هو اختصار لمعنى أراه فيها؛ أختٌ في إنسانيتها، وبدرٌ في حضورها، وضياءٌ لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.

عرفناها قبل أن تحمل مسؤولية العمادة. ولذلك لم تكن صورتها لدينا صورة «العميدة» التي فرضها المنصب، وإنما صورة الإنسانة التي ظل المنصب نفسه عاجزًا عن تغيير جوهرها.

قد تفرض العمادة على صاحبها مسحة من الحزم، وتضع على كتفيه أثقال القرار والمسؤولية، لكن هبة لم تفقد، وهي في مقامها الإداري، تلك التلقائية التي تجعل الجالس إليها يشعر أنه يعرفها منذ زمن. مرحة، طروبة، قريبة من الناس، وحاضرة بروح لا تعرف التكلف.

ومع ذلك، فإن خفة الروح عندها لم تكن يومًا نقيضًا للحزم.

فحين تأتي ساعة المسؤولية، تعرف كيف تكون حازمة دون قسوة، وكيف تدير دون أن تستبد، وكيف تختلف دون أن تخسر إنسانيتها.

وهذه، في تقديري، واحدة من أصعب معادلات القيادة.

فالمدير يستطيع أن يفرض سلطته، لكن القائد الحقيقي هو من يجعل الناس يتعاملون مع سلطته باعتبارها مسؤولية لا امتيازًا.

وهبة من الشخصيات التي يتفق الناس على محبتها.

ولعل أجمل ما في الأمر أن هذه المحبة لم تأتِ من محاولة استرضاء الناس، ولا من مجاملة عابرة، وإنما من طبيعة شخصية لا تعرف تخزين الخصومات. ما يحدث اليوم ينتهي اليوم؛ لا تحمل في قلبها دفاتر قديمة، ولا تجعل من الخلافات الصغيرة ميراثًا من المرارات.

إنها شخصية توافقية بطبيعتها، تعرف كيف تجمع المختلفين حول ما يجمعهم، وكيف تفتح أبواب التواصل حين تغلقها الحدة والانفعال.

لكن خلف هذه الروح المرحة قلبٌ شديد الانحياز للإنسان.

هبة نصيرة للطلاب دوماً، ونصيرة للضعيف بدوام كامل.

تلك ليست عبارة للمديح، وإنما هي ملمح أصيل في شخصيتها. فالطالب عندها ليس مجرد رقم في سجل أكاديمي، والضعيف ليس عبئًا إداريًا ينبغي التخلص منه. ثمة مساحة واسعة في وجدانها لمن يحتاج إلى من يسمعه، أو يقف إلى جانبه، أو يبحث له عن مخرج من مأزق.

وفي ذلك تمتلك هبة ما هو أثمن من السلطة الإدارية: رجاحة العقل.

فهي لا تتعامل مع القضايا بعاطفة عمياء، ولا مع الناس بعقل بارد. تجمع بين الأمرين؛ قلب يرى الإنسان، وعقل يعرف كيف يتخذ القرار.

وهذه الإنسانية لم تكن سهلة الاختبار، فقد جاءت سنوات الحرب بما يكفي لاختبار معدن البشر.

وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تتشظى، والجامعات والمؤسسات تكابد للحفاظ على ما تبقى من الحياة الأكاديمية، لم تكن هبة بمنأى عن الوجع الشخصي. ذاقت من مرارات الحرب ما يكفي لأن يكون الإنسان معذورًا في الانكفاء على نفسه، وفقدت أعزاء، وعاشت لحظات ثقيلة لا تحتاج إلى شرح.

لكنها لم تسمح لألمها الخاص أن يهزم واجبها العام.

كانت من أوائل العائدين إلى الكلية، وبدأت تفكر في العودة، وفي الطلاب، وفي العاملين، وفي الترتيبات التي تجعل المؤسسة تستعيد نبضها.

وهنا تحديدًا يتكشف معدن القيادة.

أن تأتي إلى مكتبك وأنت تحمل في قلبك وجعًا شخصيًا، ثم تضع ذلك الوجع جانبًا لتسأل: كيف نعيد الطلاب؟ كيف تستعيد الكلية عافيتها؟ ماذا نستطيع أن نفعل؟

تلك ليست وظيفة يؤديها موظف.

تلك مسؤولية يحملها إنسان.

ومن يعرف هبة عن قرب يعرف كذلك أنها لا تجلس على كرسي العمادة منتظرة أن تأتي الحلول إليها. كانت تسعى إلى التواصل مع الآخرين، وتبحث عن الدعم الممكن للكلية، وتنسق، وتطرق الأبواب، داخل وخارج السودان وتبذل من وقتها وجهدها ما تستطيع، لأن المؤسسات في الأزمات لا تنجو بالمكاتب المغلقة، وإنما بالناس الذين يؤمنون بأن عليها أن تستمر.

ولذلك فإن الحديث عن هبة سيد أحمد لا ينبغي أن يكون حديثًا عن عميدة فحسب، وإنما عن امرأة وضعت إنسانيتها في خدمة الإدارة، ووظفت الإدارة في خدمة الإنسان.

وهذه معادلة نادرة.

لقد عرفت كثيرين يجيدون الإدارة لكنهم لا يجيدون احتواء البشر، وعرفت آخرين طيبين إلى الحد الذي يجعلهم عاجزين عن اتخاذ القرار. أما هبة فقد جمعت بين الطرفين: قلبٌ رحيم، وعقلٌ راجح، وإدارة تعرف متى تلين ومتى تحزم.

ولعل ذلك هو سر محبتها.

 

يا بت ملوك النيل

يا أخت البدور

مين لي علاك يشيل

في البدور والحضور

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.