
ليست كل سيرةٍ مهنية تُكتب في ملف، ولا كل إنجازٍ يُقاس برقم، ولا كل مديرٍ يغادر موقعه تاركًا وراءه ما يمكن أن يُسمّى إرثًا.
هناك رجالٌ تمرّ بهم المؤسسات، وهناك رجالٌ يمرّون فيصنعون فرقًا.
والمهندس عبد العظيم عبد الغني واحدٌ من أولئك الذين يصعب اختزال تجربتهم في مسمى وظيفي أو سنواتٍ قضوها على رأس الإدارة. فقد كانت تجربته في مؤسسة الرهد الزراعية أقرب إلى رحلةٍ طويلة في إعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة والأرض والمزارع؛ رحلةٍ حاول خلالها أن يجعل من الإدارة الزراعية عقلًا للمشروع، ومن المزارع شريكًا لا متلقيًا، ومن المعرفة أداةً لصناعة القرار.
ولعل أجمل ما في سيرته أن الإنجازات الكثيرة التي تقف شاهدةً على تجربته لم تكن منفصلة عن الرجل نفسه ، عن شخصيته الهادئة، ونفسه المهذبة، وكرمه الإنساني، وقدرته على كسب الاحترام دون ضجيج أو استعراض.
كان عبد العظيم قريبًا من الناس، ولذلك بقي أثره قريبًا منهم.
في عهده اتسعت دائرة العمل الإداري لتتجاوز التسيير اليومي إلى التخطيط والدراسات والمعلومات.
فكان التعاون مع معهد إدارة المياه والري بجامعة الجزيرة في تقييم وتقويم ثلاثة مواسم زراعية، وإنشاء الموقع الإلكتروني للمشروع، وإنتاج فيلم توثيقي عن الرهد، وإعداد دراسات لحصاد المياه في عدد من الأودية، من بينها ودي البار، وود فقيشة، والبارد، إلى جانب بحيرة خزان أبو رخم.
ولم تكن المياه بالنسبة له مجرد موردٍ يُنتظر وصوله، بل قضية تخطيط ومعرفة.
لذلك أُنشئت مصفوفة معلومات سنوية لنهر الرهد ومتوسطات الأمطار، وزيد عدد أجهزة قياس الأمطار، ودُرّبت الكوادر على استخدامها، حتى يصبح القرار الزراعي أكثر ارتباطًا بالبيانات وأقل اعتمادًا على التقدير.
وفي ملف المياه أيضًا، جاءت مساعدة المزارعين للتعاقد مع شركة زبيد للعمل بالآبار الارتوازية في القسم العاشر، ثم التفكير في توسيع التجربة بإنشاء مضرب على النيل الأزرق بمنطقة أبو حراز لري أكثر من خمسين ألف فدان، بما يخفف الضغط عن شبكة الري.
مزارعٌ شريك… لا مجرد منتج
ربما كانت إحدى أهم بصمات عبد العظيم عبد الغني هي نظرته إلى المزارع باعتباره ضلعًا أساسيًا في العملية الإنتاجية.
لم يكن الإرشاد عنده مجرد تعليمات تُلقى من المكتب إلى الحقل؛ ولذلك تغير مسمى «المفتش الزراعي» إلى «مرشد زراعي»، وتأسست مدارس المزارعين الحقلية، ومنها مدارس في القرية 34 بالسابع والقرية 43 بالقسم التاسع.
وشارك في دورة بجمهورية مصر العربية حول مدارس المزارعين، كما شُجعت جمعيات المزارعين، ودُعمت بالتدريب والتحفيز، وامتد هذا الانفتاح إلى المشاركات الخارجية، ومنها الدورة التدريبية التي أقيمت في تركيا ومثّل فيها الرهد الأستاذ الأمين العبادي.
وكان الرهان واضحًا: أن تزداد مقدرات المزارع، لا أن يزداد اعتماده على الإدارة.
ولهذا جاءت المشاركة مع اتحاد المزارعين في إدارة المشروع ومجالس الإدارات، والعمل على تكوين الجمعيات الزراعية وتفعيلها، باعتبارها إحدى أدوات بناء مجتمع إنتاجي أكثر قدرة على إدارة موارده.
إدارة تعرف أن التدريب استثمار
في الإدارة والتخطيط والبحوث، كان التدريب حاضرًا بوصفه استثمارًا في الإنسان.
فدُرّبت كوادر عديدة داخل السودان وخارجه في دورات قصيرة ومتوسطة، إلى جانب الدراسات العليا، مع اهتمام خاص ببناء القدرات في مجالات الإدارة والتخطيط والبحوث.
وحافظت الإدارة على تميزها في إعداد التقارير الأساسية التي تعتمد عليها في صناعة قراراتها، خاصة القرارات المالية، مع المشاركة في اللجان ذات الصلة بإدارة الموارد البشرية والمالية.
ونُفذ الهيكل الوظيفي، وأُتيح للشباب تولي مواقع قيادية كمديري أقسام وإدارات، في إيمان بأن المؤسسة التي لا تمنح شبابها فرصة القيادة إنما تؤجل مستقبلها.
وفي الجانب المالي والإداري، بدأ العمل على حوسبة النظام الإداري والمالي، وتعزز التعاون مع المراجعة الداخلية والخارجية في إقفال الحسابات ومراجعة وإجازة الميزانيات.
من الملفات اللافتة في تجربته إحياء الوحدة الهندسية بعد خروج شركة كنانة، ورفدها بأسطول من الآليات والعربات، شمل الكراكات والمعدات الثقيلة والمقطورات والجرافات واللوادر والجامبو والجرارات الكبيرة ووحدة للتسوية بالليزر.
كما امتدت الجهود إلى الري، من خلال المشاركة في إحلال خمس طلمبات، وتنفيذ أعمال مرتبطة بقرض الأوبك لتطهير القنوات الكبيرة والصغيرة، ونظافة سايفون الدندر، وصيانة الأبواب الكهربائية للخزان، والحصول على شفاطين عائمين، والمشاركة في تنفيذ أعمال قرض بنك التنمية الإسلامي بجدة، بما في ذلك استبدال المواسير الحديدية من القسم الأول وحتى السابع.
وفي مجال الخدمات، شاركت الإدارة في تأهيل محطات القرى 33 و34 و15، وتنفيذ جزء من ردمية القرية 20، ودعم مستشفى الفاو، والمشاركة في لجنة تنفيذ الطريق الداخلي للمشروع الذي بدأ من العريباب.
هذه ليست تفاصيل صغيرة ، فالمشروع الزراعي لا يعيش بالمحصول وحده، وإنما يعيش بالبنية التي تحمل الإنتاج وتحمي الإنسان الذي ينتجه.
الزراعة حين تتحول إلى أرقام تُرى في الحقل
وفي قلب العمل الزراعي، كان الالتزام بالدورة الزراعية، وزيادة مساحات القطن بالتمويل من وزارة المالية والبنوك، والتوسع في الزراعة التعاقدية مع الشركات والمستثمرين، أهدافًا واضحة.
والنتيجة التي بقيت عالقة في الذاكرة أن متوسط إنتاج فدان القطن وصل إلى نحو عشرة قناطير كأعلى متوسط ذُكر للمشروع والسودان في تلك المرحلة.
كما شُجعت زراعة صنف مدني من الفول السوداني، والتعاون مع محطة البحوث الزراعية لإدخال التقانات الحديثة، خاصة في محصول الذرة، والعمل على زراعة أصناف القمح المقاومة للحرارة، ومنها التجربة في القسم السادس بالقرية 26.
وفي مجال إكثار البذور، جرى العمل مع إدارة التقاوي في تقاوي القطن بمشاركة مزارعي القسم الأول وشركة نيو أبَوك، والعمل على صيانة بعض أصناف الذرة وتركيب الغربال وتشغيله.
الحيوان والغابة والاستثمار… مشروع يتنفس في أكثر من اتجاه
لم تتوقف الرؤية عند الزراعة الحقلية.
ففي الإنتاج الحيواني أُنشئت عشر حظائر لتسمين العجول، وتم العمل مع شركة الاتجاهات المتعددة في دورتين للتسمين، إلى جانب التعاون مع وزارة الثروة الحيوانية لإجراء مسح لتنفيذ محجر، والتوسع في حظائر تربية الدواجن.
وفي الغابات، اتجه العمل نحو التوسع في زراعة الغابات وإقامة شراكات مع المزارعين، والتعاون مع غابات الجزيرة وغابات القضارف والغابات القومية في مشروع الكربون.
وفي الاستثمار، كان الهدف أن تتحول موارد المشروع إلى فرص إنتاجية جديدة، وأن تتسع دائرة الشراكات بدل أن تبقى الإدارة وحدها في مواجهة أعباء مشروع بهذا الحجم.
وحين يكون الإنجاز شاهدًا في المعارض
من أجمل ما يختصر هذه المسيرة أن الرهد لم يكن حاضرًا في الحقول فقط، بل حضر أيضًا في المعارض.
شاركت الهيئة في العديد من المعارض، وكان آخرها المعرض السنوي لوزارة الزراعة بأرض المعارض ببري، حيث حاز الرهد المركز الأول.
والجوائز هنا ليست مجرد درع أو شهادة؛ إنها لحظة تقول إن العمل الذي يُبذل في صمت يمكن أن يجد طريقه إلى الضوء.
وفي النهاية… تبقى علاقة الإنسان بالإنسان
لكن، وسط كل هذه الأرقام، والآليات، والقنوات، والدراسات، والحقول، والدورات، والجوائز، ثمة شيء لا تستطيع التقارير الإدارية أن تقيسه.
إنه الأثر الإنساني.
ذلك الأثر الذي تركه عبد العظيم عبد الغني في نفوس المزارعين والعاملين وأهل المنطقة.
فقد كان، بشهادة من عرفوه، رجلًا هادئ الطبع، مهذب النفس، كريم المعشر، قريبًا من الناس، لا يحتاج إلى رفع صوته كي يُسمع، ولا إلى استعراض سلطته كي يُحترم.
وهذه، في تقديري، واحدة من أصعب صور القيادة.
أن تكون مديرًا فيعرفك الناس بوظيفتك، ثم تصبح مع الوقت إنسانًا يعرفه الناس قبل أن يعرفوا منصبه.
وحين يتذكر المزارع مديرًا بعد سنوات، لا يتذكر فقط القرارات التي أصدرها، بل يتذكر كيف عامله، وكيف استمع إليه، وكيف وقف إلى جانبه، وكيف جعله يشعر أن صوته مسموع وأنه شريك في مشروعه لا مجرد رقم في سجلاته.
آخر الكلام
الحديث عن المهندس عبد العظيم عبد الغني ليس حديثًا عن مديرٍ مرّ على مؤسسة زراعية.
إنه حديث عن مرحلةٍ حاول فيها رجلٌ أن يعيد للمؤسسة روحها، وللمزارع مكانته، وللإدارة معناها.
وإذا كانت المؤسسات تُقاس بما أنجزته، فإن الرجال يُقاسون بما يتركونه خلفهم.
وقد ترك عبد العظيم عبد الغني شيئًا أثمن من المباني والآليات والتقارير:
ترك احترامًا.
والاحترام، حين يُزرع في قلوب الناس، لا يحتاج إلى موسم حصاد.
يبقى ، مثل الأرض التي لا تنسى يد الفلاح الذي أحسن إليها.








