00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • ✒️ عزيزة المعراج.. تكتب في كلام ترابلة/مشروع الجزيرة ليس صنمًا.. لكن هدم التاريخ ليس شجاعة!
- عام - مقال اليوم

✒️ عزيزة المعراج.. تكتب في كلام ترابلة/مشروع الجزيرة ليس صنمًا.. لكن هدم التاريخ ليس شجاعة!

قرأت الرأي الذي يقول إن إنسان الجزيرة «ما استفاد حاجة» من مشروع الجزيرة، وأن المشروع لم يكن طوال تاريخه سوى «بقرة حلوب» للموظفين والخزينة المركزية، وأن تاريخه كله لا يعدو أن يكون انتقالًا من «استعمار إنجليزي إلى استعمار سوداني». والحق أن في هذا الكلام غضبًا مشروعًا، لكنه يحمل تعميمًا غير مشروع. نعم.. إنسان الجزيرة لم […]

  • قرأت الرأي الذي يقول إن إنسان الجزيرة «ما استفاد حاجة» من مشروع الجزيرة، وأن المشروع لم يكن طوال تاريخه سوى «بقرة حلوب» للموظفين والخزينة المركزية، وأن تاريخه كله لا يعدو أن يكون انتقالًا من «استعمار إنجليزي إلى استعمار سوداني».

والحق أن في هذا الكلام غضبًا مشروعًا، لكنه يحمل تعميمًا غير مشروع.

نعم.. إنسان الجزيرة لم يأخذ من مشروع الجزيرة ما يستحقه.

وهذه ليست قضية للنقاش أصلًا.

لكن أن نقفز من هذه الحقيقة إلى القول إن المشروع لم يكن له تاريخ، ولم يقدم شيئًا، وإن كل مؤسساته مجرد أصنام، فهنا يجب أن نتوقف.

لأن الغضب لا يمنحنا الحق في إلغاء التاريخ.

مشروع الجزيرة لم يصنعه الموظفون وحدهم، ولم تصنعه مكاتب بركات، ولم تصنعه القناطر والسكة الحديدية.

صنعه أولًا المزارع.

المزارع الذي ظل يزرع في الحر، ويواجه العطش والآفات والأسعار المتقلبة ومخاطر الموسم، بينما كان آخرون يتعاملون مع إنتاجه من مكاتب مكيفة.

فإذا كان هناك ظلم تاريخي للمزارع، فلنكن شجعانًا بما يكفي لنحدد منظومة الظلم، بدل أن نحول المشروع كله إلى متهم واحد.

نعم، كانت هناك إدارة استعمارية استثمرت المشروع لمصلحة الإمبراطورية البريطانية.

ونعم، بعد الاستقلال ظهرت اختلالات وسياسات جعلت المشروع يخدم الاقتصاد القومي أكثر مما خدم إنسان الجزيرة.

ونعم، عانى المزارع من ضعف العائد، وتدهور الخدمات، وتراجع البنية التحتية، واختلال العلاقة بينه وبين الإدارة.

لكن هل يعني ذلك أن كل ما أُنشئ في المشروع كان وهمًا؟

هل كانت قنوات الري وهمًا؟

هل كانت البحوث الزراعية وهمًا؟

هل كان تطوير القطن وتجارب الأصناف والإرشاد الزراعي وهمًا؟

هل كانت السكة الحديدية التي خدمت مناطق الإنتاج والأسواق وهمًا؟

لا.

وهنا تحديدًا يجب أن نفرق بين أمرين:

المشروع كمنظومة إنتاجية تاريخية، والسياسات التي أدارت هذه المنظومة وأهدرت جزءًا كبيرًا من عائدها على إنسان الجزيرة.

المشكلة ليست أن المشروع «لم يفعل شيئًا».

المشكلة أن الثروة التي أنتجها المشروع لم تُترجم بالقدر الكافي إلى رفاه مستدام لإنسان الجزيرة.

وهذه هي القضية التي يجب أن نخوض فيها المعركة الحقيقية.

كيف ينتج المزارع الثروة ثم يظل أفقر حلقات سلسلة الإنتاج؟

كيف يزرع القطن، ثم لا يجد صناعة نسيجية ضخمة تستوعب إنتاجه وتخلق له قيمة مضافة؟

كيف تكون الجزيرة واحدة من أهم مناطق الإنتاج الزراعي، ثم تظل قرى المزارعين تعاني من ضعف الخدمات؟

كيف يصبح المزارع منتجًا للثروة، لكنه لا يصبح شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار؟

هذه الأسئلة أخطر بكثير من وصف المشروع بأنه «صنم».

لأن وصف المشروع بالصنم يريحنا من عناء البحث عن المسؤول الحقيقي.

أما كشف الخلل في القوانين والإدارة والسياسات الاقتصادية وآليات التسويق والتمويل والخدمات، فهو الذي يضع الأصبع على الجرح.

ثم إن القول إن المزارع طوال تاريخ المشروع «لم يستفد شيئًا» يحتاج إلى مراجعة.

ليس لأن المزارع أخذ حقه كاملًا ــ حاشا ــ وإنما لأن إنكار كل أثر للمشروع يعني إنكار جزء من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للجزيرة نفسها.

لقد نشأت حول المشروع مجتمعات، وأسواق، وتجارب زراعية، وحركة تجارية، ومؤسسات بحثية وإرشادية، وتغيرت أنماط الحياة في المنطقة.

لكن السؤال الصحيح ليس:

هل استفاد إنسان الجزيرة أم لا؟

بل:

هل كانت استفادته بحجم ما قدمه؟

وهنا الإجابة المؤلمة:

لا.

وهذا هو الاتهام الحقيقي.

ولذلك أنا لا أدافع عن إدارة فاشلة، ولا عن موظف فاسد، ولا عن قانون ظالم، ولا عن سياسة أرهقت المزارع.

بل أرفض أن نخلط بين المشروع ومنظومة الإدارة والسياسات التي تعاقبت عليه.

مشروع الجزيرة يحتاج إلى نقد شجاع.

بل يحتاج إلى مراجعة تاريخية واقتصادية كاملة.

نريد الأرقام.

نريد أن نعرف:

كم أنتج المشروع؟

كم دخل على الاقتصاد السوداني؟

كم عاد للمزارع؟

أين ذهبت القيمة المضافة؟

لماذا لم تتحول الجزيرة إلى قلعة للصناعات الزراعية؟

لماذا تراجعت البنية التحتية؟

لماذا تدهورت الخدمات؟

ولماذا ظل المزارع، رغم كل ما ينتجه، يعاني؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تهز عروش الفشل.

أما أن نختصر قرنًا من التجربة في كلمة «صنم»، فهذه ليست شجاعة فكرية.

هذه مجرد جملة غاضبة.

ومشروع الجزيرة لا يحتاج إلى من يعبده.

ولا يحتاج إلى من يحطمه.

يحتاج إلى من يحرره من الأخطاء التي كبّلته، ويعيده إلى صاحبه الحقيقي: المزارع.

فالمزارع ليس «حمار كارو».

المزارع هو الإنسان الذي حمل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد السوداني على كتفيه، لكنه ظل في كثير من المراحل الحلقة الأضعف في المنظومة.

وهنا تقع المأساة.

أن ينتج المزارع الثروة، ثم يبحث عن نصيبه منها.

وإذا كانت هناك أموال أُهدرت، فلنبحث عنها.

وإذا كانت هناك حقوق سُلبت، فلنستردها.

وإذا كانت هناك إدارات فشلت، فلتُحاسب.

وإذا كانت هناك قوانين أضرت بالمشروع والمزارع، فلتُراجع.

لكن لا تحاكموا التاريخ بمنطق الغضب.

فالتاريخ لا يحتاج إلى من يعبده، ولا إلى من يحطمه.

التاريخ يحتاج إلى من يقرأه بعيون مفتوحة، ويحاسب أخطاءه بضمير يقظ، ثم يبني المستقبل على ما بقي من قوته.

ومشروع الجزيرة، بكل ما فيه من إنجازات وإخفاقات، ليس صنمًا.

إنه فرصة تاريخية عظيمة أُسيء استغلالها مرات كثيرة.

 

آخر الكلام

السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس:

من كان المستفيد من المشروع بالأمس؟

بل:

كيف نجعل المزارع الذي ظل يدفع ثمن أخطاء الآخرين لعقود، هو أول من يجني ثمار نجاح المشروع غدًا؟

هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.