لم يكن ذلك الصباح كلية العلوم الرياضية والحاسوب بجامعة الجزيرة صباحاً عادياً. كان ثمة شيء جديد يُكتب في سجل الجامعة؛ شيء يتجاوز تدشين منصة إلكترونية إلى إعلان صريح بأن مؤسسة أكاديمية عريقة قررت أن تفتح نافذة أوسع على المستقبل.
فقد دشّن البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، مدير جامعة الجزيرة، رسمياً بوابة الامتحانات الذكية GSEP، في خطوة تمثل انتقالاً لافتاً في إدارة التقييم الجامعي، وتضع تجربة الامتحان أمام واقع مختلف؛ أقل ورقاً، وأكثر اعتماداً على التقنية والبيانات.
وحضر التدشين أمين أمانة الشؤون العلمية ونائبه، في دلالة على الأهمية التي توليها الإدارة العليا للمشروع، الذي انطلق من كلية العلوم الرياضية والحاسوب بوصفها الحاضنة الأولى للتجربة.
ولم يتعامل مدير الجامعة مع البوابة باعتبارها مجرد نظام تقني جديد، بل وصفها بأنها إضافة نوعية ورائدة في مسار تطوير العملية التعليمية، مشيراً إلى ما وفرته للطلاب من سهولة في أداء الامتحانات والحصول على النتائج والإجابات بصورة مباشرة.
والأهم في حديثه أن التجربة، في نظر الجامعة، ليست محطة نهائية؛ وإنما بداية قابلة للتطوير، تستفيد من ملاحظات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، تمهيداً لتوسيع نطاقها لتشمل كليات الجامعة المختلفة.
من الورقة إلى الشاشة
في كلية العلوم الرياضية والحاسوب، تبدو الفكرة أكثر وضوحاً: امتحان جامعي لا ينتهي عند لحظة تسليم الإجابة، بل يترك وراءه بيانات يمكن تحليلها، ومؤشرات يمكن قراءتها، ومعلومات يمكن أن تسند القرار الأكاديمي.
ويختصر عميد الكلية، الدكتور قيس الهادي بابكر، فلسفة المشروع في منظومة تقييم رقمية تجمع بين سهولة الاستخدام والأمان والشفافية، وتدعم أنماطاً متعددة من الأسئلة، إلى جانب أدوات للتحليل وإعداد التقارير.
لكن القيمة الحقيقية لـGSEP لا تكمن في قائمة خصائصها التقنية بقدر ما تكمن في ما يمكن أن تتركه من أثر على طريقة إدارة الامتحانات نفسها.
ولأن الأفكار لا تختبر في القاعات المغلقة، دخلت البوابة سريعاً إلى ميدان التطبيق.
أكثر من 140 طالباً من طلاب الدبلوم التقني – الدفعة 44 خاضوا امتحاناتهم إلكترونياً عبر ثلاثة معامل مجهزة، ليكونوا أول دفعة تختبر التجربة عملياً وتضعها أمام امتحان الواقع.
وسبقت التجربة عملية التطبيق بتهيئة الطلاب من خلال دليل إرشادي يوضح خطوات الدخول وآلية أداء الامتحان، فيما يجري إعداد أدلة مماثلة للإدارة وأعضاء هيئة التدريس، بما يمهد لتوسيع التجربة في مراحلها المقبلة.
ليست مجرد بوابة
ما جرى في كلية العلوم الرياضية والحاسوب يمكن النظر إليه من زاوية أوسع من مجرد تحديث آلية الامتحان.
فالجامعة التي تخوض تجربة كهذه لا تغيّر وسيلة تقديم الأسئلة فحسب، وإنما تعيد النظر في دورة كاملة تبدأ بإعداد الاختبار، وتمر بأدائه وتصحيحه وإعلان نتائجه، وتنتهي ببيانات يمكن أن تساعد في فهم مستوى التحصيل واتخاذ قرارات أكاديمية أكثر دقة.
ومن هنا تأتي أهمية الخطوة؛ فالتقنية لا تكون ذات قيمة لمجرد حضورها، وإنما حين تتحول إلى أداة لتحسين الأداء.
تدشين GSEP ليس حدثاً صاخباً في ظاهره؛ منصة، معامل، طلاب، وامتحان إلكتروني. لكن ما وراء المشهد أكثر اتساعاً.
إنها محاولة لوضع الجامعة في قلب التحول الذي يشهده التعليم العالي، واستثمار التقنية في بناء تجربة أكاديمية أكثر مرونة وكفاءة وشفافية.
وربما لهذا تبدو الخطوة الأولى دائماً أكبر من حجمها؛ لأنها لا تقيس المسافة التي قطعتها الجامعة، بل تشير إلى الطريق الذي اختارت أن تمضي فيه.
جامعة الجزيرة تدشن بوابة الامتحانات الذكية.. لكنها، في الحقيقة، تفتح فصلاً جديداً في حكايتها مع المستقبل.









