00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • عزيزة المعراج تكتب في كلام ترابلة/ جذور الأزمة في مشروع الجزيرة: سكة عطش
- مقال اليوم

عزيزة المعراج تكتب في كلام ترابلة/ جذور الأزمة في مشروع الجزيرة: سكة عطش

  تأتي الأخبار من سنار مشفوعة بالأرقام الرسمية: “33.5 مليون متر مكعب من المياه ضُخت في قناتي الجزيرة والمناقل، ولجانٌ تشكّلت للوقوف على مناسيب الخزان”. أرقامٌ ضخمة تُصاغ لملء الميديا ، لكنها تتهاوى فور ملامستها أرض الواقع ، حيث يصرخ المزارع في شمال الجزيرة، وأبو قوتة، والمنسي من عطشٍ يهدد الموسم الزراعي بالانهيار. هذه الفجوة […]

 

تأتي الأخبار من سنار مشفوعة بالأرقام الرسمية: “33.5 مليون متر مكعب من المياه ضُخت في قناتي الجزيرة والمناقل، ولجانٌ تشكّلت للوقوف على مناسيب الخزان”. أرقامٌ ضخمة تُصاغ لملء الميديا ، لكنها تتهاوى فور ملامستها أرض الواقع ، حيث يصرخ المزارع في شمال الجزيرة، وأبو قوتة، والمنسي من عطشٍ يهدد الموسم الزراعي بالانهيار.

هذه الفجوة الحادة بين “أرقام المأخذ” و”عطش الحقول” ليست مجرد كبوة موسمية أو شحٍ في الأمطار ونعلم تمام اجتهاد ادارة المشروع في هذا الصدد —لكن المشروع صُمم أصلاً على الري الانسيابي الصناعي الذي لا يعتمد على غيث السماء—باعتقد ان ما يحدث هو العرض المباشر لمرضٍ هيكلي أعمق يحتاج منا شجاعة ومراجعة نقدية جادة.

للأمانة والنزاهة الصحفية، كنتُ—ومعي كثيرون—ممن استبشروا خيراً يوم صَدر قرار نقل تبعية الري لإدارة المشروع. كان الدافع حينها منطقياً في ظاهره؛ فقد تعبت الأقلام وهي تنتقد التضارب الإداري، و”تقاذف المسؤولية” بين إدارة المشروع ووزارة الري، والبطء البيروقراطي الذي كان المزارع يضيع بين أروقته. بدا توحيد القيادة تحت مظلة واحدة كأنه الحل السحري الحاسم لإنهاء التشتت.

لكن الأمانة المهنية اليوم تفرض علينا ألا ننساق وراء الجمود الفكري أو العناد على حساب الحقيقة ، فالواقع الميداني يثبت أن ما بدا في النظرية “حلاً تنظيمياً”، تحول في التطبيق العملي إلى “سكة عطش “.

الخطأ الفادح لم يكن في مبدأ التنسيق، بل في إلغاء التخصص الفني والهندسي. لقد جرى “ابتلاع” قطاع الري داخل الإدارة الإدارية والزراعية للمشروع، وتُعومِل مع المياه كـ “مدخل زراعي بسيط” يُدار بفتح البوابات، لا كمنظومة هيدروليكية حرجّة تحتاج صيانة مستمرة بأسطول من الكراكات والحفارات.

حين أُتبِع الري للمشروع، جُرّد القطاع من ميزانياته المحصنة وأسطوله الخاص ، والنتيجة اليوم كافية لتبديد أي وهم:

• مهندسون متخصصون استُقدموا لكنهم بآليات غير كافية ولا ميزانيات تشغيل لابد وانها اقل .

• تقارير تتحدث عن ضخ الملايين عند خزان سنار، بينما القنوات الفرعية و”أبو عشرينات” مردومة بالكامل بالطمي والمخلفات ومخنوقة بالحشائش.

• مياه تُضخ بكثافة في البدايات فتغرق الحواشات القريبة، وتتوقف عند انسدادات المجرى لتترك نهايات الترع صريعة العطش.

إذا نظرنا إلى التجارب الدولية في إدارة مشاريع الري الانسيابي الكبرى (كما في مصر أو الهند)، نجد قاعدة هندسية ذهبية: لا توجد دولة نجحت في إدارة ريها الانسيابي عبر دمج الهندسة بالزراعة في كيان إداري واحد.

• في مصر: تحكم المنظومة استقلالية كاملة؛ وزارة الري هي المشغل الحصري للمنظومة الهيدروليكية بأسطول صيانة مستمر، بينما تتفرغ وزارة الزراعة للتركيب المحصولي، والربط يتم عبر “عقد خدمات” واضح.

• في الهند: تدار القنوات القومية بواسطة كوادر هندسية مستقلة، بينما أُسندت صيانة القنوات الحقلية الصغرى ونهايات الترع لـ “جمعيات مستخدمي المياه” من المزارعين أنفسهم لضمان العدالة في التوزيع.

إن الاعتراف بمحدودية الرؤية السابقة هو الخطوة الأولى لنزع الفتيل. فالمطلوب اليوم ليس العودة إلى التخبط القديم وتنازع الصلاحيات، ولا الاستمرار في هذا الفشل الحالي. الحل يكمن في صياغة نموذج إداري هجين:

1. إعادة الاستقلال الفني والمالي لقطاع الري: فصل الملف الهيدروليكي وصيانة القنوات عن الإدارة الإدارية للمشروع، وإعادته كقطاع هندسي مستقل بآلياته وميزانيته المحصنة.

2. التحول نحو الصيانة الوقائية: جعل تطهير الترع من الحشائش والأطماء عملية مستمرة خلال الموسم الميت، وليس رد فعل متأخر بعد جفاف المحاصيل.

3. محاسبة الإدارة بـ “منسوب النهايات”: قياس كفاءة موسم الري يجب أن يُقرأ بمنسوب المياه في آخر “أبو عشرين” في المنسي وأبو قوتة وشمال الجزيرة، وليس بالبيانات الصحفية الصادرة من عند السدود.

آخر الكلام

لقد آن الأوان لندرك أن المياه لا تجري في القنوات بالبيانات ولا بالنوايا الإدارية الحسنة، بل بالآليات والهندسة والتخصص. وإلى أن نعيد للهندسة قدرها وللري استقلاله الفني، سيبقى مزارع الجزيرة يدفع ثمن هذه التجارب الإدارية من قُوت يومه وقُوت الوطن.

 

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.