00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • كلام ترابلة: عزيزة المعراج تكتب / بين ذعر “بركات” وجموح “الجيرولاندو”.. هل نملك شجاعة العبور إلى “الأمن الجيني”؟
- مقال اليوم

كلام ترابلة: عزيزة المعراج تكتب / بين ذعر “بركات” وجموح “الجيرولاندو”.. هل نملك شجاعة العبور إلى “الأمن الجيني”؟

  ليس ثمة ما هو أشدّ إيلاماً لضمير الخبير الزراعي وأعمق إثارةً لشغف الباحث العلمي، من الوقوف على خط التماس الفاصل بين خيارين كلاهما مرّ: الجمود في ماضٍ تليد يُهددنا بالضمور والاندثار، أو الاندفاع العشوائي نحو مستقبل تقنيّ يَعِدُ بالوفرة لكنه يُهدد بمحو الهوية وسيادة الموارد. ولعلّ ما شهده المنتدى الأخير لجامعة الجزيرة حول الثروة […]

 

ليس ثمة ما هو أشدّ إيلاماً لضمير الخبير الزراعي وأعمق إثارةً لشغف الباحث العلمي، من الوقوف على خط التماس الفاصل بين خيارين كلاهما مرّ: الجمود في ماضٍ تليد يُهددنا بالضمور والاندثار، أو الاندفاع العشوائي نحو مستقبل تقنيّ يَعِدُ بالوفرة لكنه يُهدد بمحو الهوية وسيادة الموارد.

ولعلّ ما شهده المنتدى الأخير لجامعة الجزيرة حول الثروة الحيوانية، لم يكن مجرد سجال أكاديمي عابر بين مدرستين، بقدر ما كان زلزالاً يُعيد إلى الواجهة قلقاً سودانياً متجذراً؛ سجالاً يضع حماس الداعين لإدخال دماء أجنبية متفوقة لإنتاج الحليب كأبقار “الجيرولاندو” البرازيلية، في مواجهة وجهاً لوجه مع التحذيرات الصارمة لراعي الموارد الأصيلة، الخائف على سلالاتنا العريقة كـ “الكنانة” و”النيالاوي” و”البطانة” من ذوبان وراثي لا عودة عنه.

 

لكي نفهم الشراسة التي تُدار بها معركة الحفاظ على السلالات المحلية، علينا أن ننقب في الذاكرة الزراعية السودانية. إن الخوف الراهن ليس مجرد نكوص عن التحديث أو “فوبيا” علمية غير مبررة، بل هو استدعاء واِعٍ لـ “مأساة التقاوي” التي عصفت بعرش القطن السوداني.

حين تراجعت أصنافنا التاريخية الفاخرة ذات التيلة الطويلة مثل “بركات” و”حامد”، لم تكن الكارثة بسبب التقانة الحيوية أو التحوير الجيني بحد ذاته، بل كان السبب الجذري هو تآكل المنظومة المؤسسية، وجمود الانتخاب الوراثي الداخلي، والتفريط في دورة إكثار التقاوي وحفظ نقاوتها. وعندما أُدخلت الأصناف الهجينة والأجنبية دون بيئة حوكمة سيادية، استيقظ المزارع ليرى نفسه مجرداً من أصوله التاريخية، ورهينة لتقلبات السوق والشركات العابرة للقارات.

إن المربي السوداني اليوم يرى في بقرة الكنانة المسالمة—التي تقاوم القراد والحرارة وتجود بالحليب رغم شظف العيش وتذبذب العلف—خط دفاعه الأخير عن السيادة الغذائية؛ وهو ينظر إلى أي دماء دخيلة بعين التوجس ذاتها التي شيعت عرش القطن إلى مثواه الأخير.

 

غير أن الوقوف عند أطلال التجربة السابقة وتحويل “الفقد القديم” إلى صنم يُعبد، هو عوم صريح ضد مجرى التاريخ. إن الثورة الجينية والتقانات الحيوية لم تعد خياراً مطروحاً للنقاش أو الرفض، بل أضحت أمراً واقعاً يُشكل خارطة العالم الغذائية.

لقد وضع الفكر الإنساني والشرعي مبدأً راسخاً في قوة الهجين وتجديد الدماء؛ فحين قال النبي الكريم ﷺ: “اغتربوا لا تضووا”—أي لا تتزوجوا من القربى الضيقة فتأتوا بنسل ضعيف هزيل—كان ذلك إشراقاً يسبق علم الوراثة الحديث بقرون. إن الانغلاق الجيني التام داخل القطعان المحلية لفترات طويلة يُفضي بحكم البيولوجيا إلى التدهور الوراثي (Inbreeding Depression)، وتراجع الحجم، وضآلة الإنتاج.

من هنا، فإن دعوة المدرسة الحديثة لإدخال دماء “الجيرولاندو”—وهي الهجين البرازيلي المحكم بين الهولشتاين القوي إنتاجياً والجير الاستوائي المنيع بيئياً—هي دعوة تستند إلى منطق التطور العلمي، شريطة ألا تُترك لجموح الفوضى التجارية.

لقد كشفت الأزمة الراهنة التي تعصف ببلادنا عن ثغرة استراتيجيّة قاتلة، فلم يكن لدينا أصلاً ذلك التنوع المأمون من بنوك الموارد الوراثية المستقلة والمحصنة، بل كان الاعتماد التاريخي يرتكز غالباً على محاور مركزية محدودة أو وحدات حفظ تابعة لهيئة البحوث الزراعية (وفي مقدمتها بنك الجينات الرئيسي في ود مدني الذي طالته يد الدمار والتخريب الآثمة )، بينما غابت تماماً شبكة البنوك الإقليمية اللامركزية الموزعة بعناية.

حين غابت هذه البنية التحتية المتكاملة، لم نفقد مجرد عينات معملية في موقع واحد، بل فُقدت عقودٌ طويلة من الذاكرة الجينية الوطنية التي لم يُنسخ احتياطيّها بالقدر الكافي.

هذا الدرس القاسي يفرض علينا اليوم إدراك أن “الأمن الوراثي هو جوهر الأمن القومي”. ولا يمكن بناء مستند وطني زراعي أو حيواني بعد اليوم يعتمد على منشأة أو مستودع مركزي وحيد، بل نحن بحاجة ماسة إلى تأسيس شبكة من بنوك الجينات الإقليمية الموزعة والمحصنة في مختلف أقاليم السودان—بحيث تختص كل بيئة بحفظ وتطوير أصولها الحيوية كنسخة احتياطية سيادية لا تستطيع صدمات النزاعات أو الكوارث البيئية أن تنال منها مرة أخرى.

السؤال الأهم: كيف نُساير الثورة الجينية دون أن نغرق؟

إن الخروج من هذه المتاهة لا يكون بالانغلاق الخائف، ولا بالانفتاح العشوائي، بل بـ “معادلة التوازن المحكم”:

1. التهجين الموجه والمحصور: حظر دخول السلالات الهجينة إلى مناطق المراعي المفتوحة والريف العميق حيث تعيش السلالات الأصيلة، وتخصيص السلالات الهجينة (مثل الجيرولاندو) لحزام الإنتاج المكثف حول المدن (Peri-urban)، حيث تتوفر الرعاية البيطرية والأعلاف المركزة.

2. الاستيراد الجيني الذكي: بدلاً من استيراد حيوانات حية قد تنهار أمام أمراض البيئة السودانية، يجب التركيز على استيراد السائل المنوي النقي من مراكز عالمية موثوقة، وإدارته عبر برامج تلقيح اصطناعي وطنية تُدار بأيدٍ بحثية سودانية.

3. الانتخاب الداخلي بالتوازي: عدم إهمال سلالات الكنانة والنيالاوي والبطانة ، بل تأسيس مراكز انتخاب وراثي قومية تُطور هذه السلالات من الداخل لرفع إنتاجيتها دون المساس بصفات قدرتها على التحمل.

آخر الكلام….

إن الثورة الجينية ليست بعبعاً يُخشى، كما أن مواردنا الأصيلة ليست عبئاً يُتخلص منه. إن الحل يكمن في عقلية الحوكمة والسيادة؛ بأن نمتلك الشجاعة العلمية لاستيراد قوة الهجين، ونمتلك في الوقت ذاته الصرامة المؤسسية لتشييد شبكة بنوك جينية محصنة تحمي إرثنا الوراثي.

حينها فقط، لن تكون “الجيرولاندو” غازياً يهدد بقرتنا الكنانة، بل ستكون روافد جديدة تُسكب في شرايين أمننا الغذائي، دون أن نفقد قطرة واحدة من “أصلنا” الذي نعتز به.

 

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.