في السودان، لم تعد الأزمات تحتاج إلى كثير من الشرح فالمواطن الذي أنهكته الحرب، وأثقلته تكاليف المعيشة، وفقد كثيراً من مقومات الاستقرار، أصبح يستيقظ كل يوم على تحدٍّ جديد، ويبحث عن وسيلة يتدبر بها شؤون أسرته، ويوفر بها الحد الأدنى من احتياجات الحياة.
واليوم، تبرز أزمة إمداد المواد البترولية باعتبارها واحدة من الأزمات التي لا تقف آثارها عند حدود محطات الوقود، بل تمتد إلى المواصلات، ونقل السلع، وحركة الأسواق، والخدمات الصحية، والإنتاج الزراعي، وتكاليف المعيشة، بل إلى قدرة المواطن على الوصول إلى عمله وقضاء حوائجه الأساسية.
فالوقود ليس مجرد سلعة تشتريها المركبة وتتحرك بها
إنه شريان تتوقف عليه حركة الحياة في المدينة والقرية، في السوق والمستشفى، وفي الحقل والمصنع.
ومع توقع وصول إمدادات جديدة خلال الفترة القادمة، أياً كانت مصادرها وتكاليفها، فإن السؤال الأهم ليس فقط: متى يصل الوقود؟ وإنما كيف ندير المتاح منه حتى يصل إلى مستحقيه، وبأقل قدر من المعاناة، وأعلى درجة من العدالة والكفاءة؟
أولاً: المشكلة ليست في الندرة وحدها، بل في كيفية إدارتها
قد تضطر الظروف الاستثنائية الدولة إلى التعامل مع نقص الإمدادات، وقد تفرض عليها تحديات الاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع إجراءات غير اعتيادية.
لكن ما لا ينبغي أن يحدث هو أن تتحول الندرة إلى مساحة مفتوحة للفوضى، أو أن يصبح الحصول على الوقود مرتبطاً بطول ساعات الانتظار، أو القدرة على التدافع، أو العلاقات الخاصة، أو استغلال النفوذ، أو القدرة على دفع أسعار تفوق طاقة المواطن.
حين يقف المواطن لساعات طويلة أمام محطة الوقود، فإنه لا يفقد وقته وحده؛ بل قد يفقد يوم عمله، أو فرصة علاج مريض، أو وسيلة نقل طالب، أو مورداً كان يعتمد عليه في إعاشة أسرته.
وحين تتعطل مركبات النقل العام، ترتفع تكلفة انتقال المواطنين. وحين ترتفع تكلفة النقل، ترتفع معها أسعار السلع والخدمات. وهكذا تتحول أزمة الوقود إلى سلسلة من الأزمات المتداخلة، يدفع المواطن ثمنها مرات متعددة.
لذلك، فإن إدارة الأزمة يجب أن تبدأ من الاعتراف بحجم آثارها، والانتقال من ردود الأفعال اليومية إلى خطة واضحة لتوزيع الإمدادات ومراقبتها ومراجعتها.
فالأزمة التي لا نستطيع منعها بالكامل، ينبغي أن نمنع تمدد آثارها بقدر ما نستطيع.
ثانياً: هل نحتاج إلى تنظيم توزيع الوقود أم إلى مزيد من القيود؟
من الطبيعي أن تفكر الجهات المختصة في وضع ضوابط للحصول على الوقود خلال فترات الشح. لكن نجاح هذه الضوابط لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرتها على تقليل الازدحام وتحقيق العدالة وضمان استمرار الخدمات.
وهنا تبرز مجموعة من الخيارات التي تستحق الدراسة والتطبيق وفقاً لظروف كل ولاية ودرجة توفر الوقود فيها.
1. توزيع المركبات على المحطات وفق نظام مرن
يمكن تخصيص محطات معينة لفئات من المركبات، مثل مركبات النقل العام، والشاحنات، والمركبات الخاصة، والدراجات النارية، مع تحديد حصص أو نوافذ زمنية لكل فئة بحسب الاحتياج الفعلي.
ويمكن كذلك دراسة نظام الأرقام الفردية والزوجية في بعض المناطق، إذا أثبتت البيانات أن هذا النظام سيخفف الازدحام.
لكن ينبغي ألا يتحول هذا التنظيم إلى قيود جامدة تزيد المسافات التي يقطعها المواطن بحثاً عن الوقود، أو تدفعه إلى محطة بعيدة رغم وجود محطة قريبة لديها مخزون.
والأصل أن يكون التنظيم وسيلة لتقليل المعاناة، لا سبباً إضافياً لها.
2. مراعاة اختلاف الولايات ولوحات المركبات
في بلد تتعدد فيه الولايات وتتحرك فيه المركبات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، لا بد من وضع آلية تمنع التعارض بين الأنظمة المحلية.
فالمركبة التي تحمل لوحة ولاية معينة قد تكون موجودة في ولاية أخرى للعمل أو العلاج أو نقل البضائع.
لذلك، فإن تخصيص المحطات وفق أرقام اللوحات، إن تقرر تطبيقه، ينبغي أن يستند إلى نظام واضح يسمح للمركبات العابرة بالحصول على احتياجاتها الضرورية، دون فتح الباب للتلاعب أو التمييز بين المواطنين.
3. إعطاء الأولوية للخدمات التي لا تحتمل التوقف
ليس من المنطقي أن تتساوى جميع الاحتياجات في زمن الندرة.
فسيارات الإسعاف، ومركبات الإطفاء، وخدمات المياه والصرف الصحي، والمستشفيات، وسلاسل نقل الأغذية والأدوية، والمعدات الزراعية التي ترتبط بمواسم الإنتاج، تحتاج إلى ترتيبات تضمن استمرارها.
أما مركبات النقل العام، فينبغي أن تحظى بنظام إمداد يراعي عدد الرحلات الفعلية، وطول الخط، وطبيعة المركبة، ومعدل استهلاكها المعقول.
والغاية ليست منح امتيازات مفتوحة لأي جهة، بل ضمان استمرار الخدمات التي يعتمد عليها المجتمع.
ثالثاً: النقل العام حين تتحول أزمة الوقود إلى أزمة معيشة
من أكثر الفئات تأثراً بأزمة الوقود أصحاب مركبات النقل العام، الذين تعتمد عليهم قطاعات واسعة من المواطنين في الوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومرافقهم الصحية وأسواقهم.
وهنا تبرز ضرورة التفكير في آلية عملية تربط بين كمية الوقود المصروفة والعمل المنجز.
فيمكن على سبيل المثال تسجيل المركبات العاملة في خطوط النقل المعروفة وتحديد احتياجاتها التقديرية بناءً على المسافة وعدد الرحلات وسعة المركبة ومعدل استهلاكها.
ثم تُراجع الكميات المصروفة بصورة دورية، مع إتاحة المرونة اللازمة لتعديلها عند تغير الظروف.
ولا يعني ذلك أن تتحول الدولة إلى مراقب لكل حركة للمركبة، وإنما أن تستفيد من وسائل تسجيل الرحلات والفواتير وسجلات التشغيل بالقدر الذي يحقق الرقابة دون تعطيل العمل أو تحميل أصحاب المركبات أعباء إدارية جديدة.
فإذا كانت مركبة تعمل في خط محدد، وتنفذ عدداً معروفاً من الرحلات يومياً، فمن الممكن تقدير احتياجاتها بصورة أكثر عدالة من تركها تدخل في طوابير مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجهات المختصة هو: كيف نضمن أن يذهب الوقود إلى المركبة التي تنقل المواطنين فعلاً، لا إلى من يستطيع الحصول عليه ثم بيعه في السوق الموازية؟
إن استقرار النقل العام ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع ولذلك فإن تنظيم إمداده بالوقود ليس مصلحة لأصحاب المركبات وحدهم، بل مصلحة عامة.
رابعاً. أصحاب الدراجات النارية بين الحاجة المشروعة والاستغلال
أصبحت الدراجات النارية وسيلة مهمة للتنقل والعمل ونقل الاحتياجات في كثير من المناطق، كما يعتمد عليها بعض المواطنين في توفير دخل أسرهم.
لكن ظروف الشح قد تفتح المجال أمام شراء الوقود بغرض إعادة بيعه بأسعار مرتفعة، أو الحصول على كميات تتجاوز الاحتياج الفعلي، بما يفاقم الأزمة على الآخرين.
ولا ينبغي معالجة هذه الظاهرة بالتعميم أو التضييق على جميع أصحاب الدراجات النارية
فبينهم من يعتمد عليها في رزقه، ومن يؤدي بها خدمات يحتاجها المجتمع.
المطلوب هو التمييز بين الاستخدام المشروع والممارسات الاستغلالية، من خلال ضوابط واضحة للكميات، ورقابة على البيع غير القانوني، وتطبيق القانون على المخالفين دون تعسف أو انتقائية.
فالعدالة لا تعني منع الجميع، كما أن التساهل لا يعني ترك السوق للفوضى.
خامساً: المحطات ليست جزرًا معزولة.. بل شبكة واحدة للإمداد
من الأخطاء التي قد تزيد حدة الأزمة حصر الإمدادات في عدد محدود من المحطات بينما تظل محطات أخرى خارج دائرة التوزيع الفعلي أو تعاني من ضعف الإمداد.
إن التوسع المنظم في توزيع الكميات المتاحة على عدد أكبر من المحطات، متى سمحت قدرات النقل والتخزين والسلامة بذلك، يمكن أن يخفف الضغط ويقلل المسافات التي يقطعها المواطن بحثاً عن الوقود.
لكن الأمر لا يتعلق بمجرد زيادة عدد المحطات التي تستقبل الإمدادات، بل بإنشاء نظام يوضح
ما الكميات الموجودة في المستودعات؟
ما الكميات التي وصلت إلى كل محطة؟
ما الكميات التي بيعت فعلياً؟
ما متوسط استهلاك المحطة اليومي؟
متى يُتوقع نفاد المخزون؟
متى تصل الشحنة التالية؟
إذا توافرت هذه المعلومات للجهات المختصة، وأُعلن للمواطن ما يمكن إعلانه منها، فسوف يصبح بالإمكان توجيه الإمدادات إلى المناطق الأكثر احتياجاً، بدلاً من ترك المواطنين يتنقلون بين المحطات بحثاً عن وقود قد لا يكون موجوداً أصلاً.
ويمكن البدء بسجل يومي موحد، حتى إن كان إلكترونياً بسيطاً أو يعتمد على تقارير دورية منتظمة، ثم تطويره تدريجياً.
فالمعلومة الصحيحة في الوقت المناسب قد توفر وقوداً وجهداً ومالاً أكثر مما توفره بعض القرارات المتعجلة.
سادساً إلى الأجهزة المختصة.. حضور ميداني ورقابة عادلة
إن إدارة أزمة الوقود لا يمكن أن تُترك للعاملين داخل المحطات وحدهم، ولا أن تعتمد على القرارات المكتبية التي لا تتابع ما يجري على الأرض.
نحن بحاجة إلى حضور ميداني فاعل للجهات المختصة، يراقب تدفق الإمدادات، ويتحقق من التزام المحطات بالضوابط، ويرصد التجاوزات، ويتعامل مع الشكاوى، ويقدم معلومات موثوقة عن حقيقة الوضع.
ونحن بحاجة كذلك إلى تنسيق واضح بين الجهات المسؤولة عن الطاقة والنقل والولايات والجهات الرقابية والأجهزة الأمنية، حتى لا تتعدد التعليمات وتتضارب المسؤوليات.
لكن هناك قضية لا تقل أهمية عن توفير الوقود وتنظيم توزيعه، وهي طريقة التعامل مع المواطنين.
إن وجود الأزمة لا يمنح أحداً حق إهانة المواطن، والازدحام لا يبرر التعسف، والسلطة لا تُقاس بقدرتها على فرض الأوامر وحدها، وإنما بقدرتها على حماية النظام وصيانة كرامة الإنسان في الوقت نفسه.
إلى أفراد الأجهزة النظامية الذين يعملون في الميدان: إنكم تؤدون واجباً مهماً في ظروف صعبة، والمجتمع يحتاج إلى جهودكم في حفظ النظام ومنع التجاوزات. لكن المواطن الذي يقف أمام محطة الوقود ليس خصماً، ولا ينبغي أن يُعامل باعتباره موضع اتهام لمجرد وجوده في طابور.
المطلوب هو الحزم دون قسوة، والرقابة دون إهانة، وتطبيق القانون دون تمييز.
وإذا وقعت تجاوزات، فينبغي التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، كما ينبغي حماية العاملين الملتزمين الذين يؤدون واجبهم في ظروف معقدة.
فهيبة الدولة لا تتحقق بالخوف وحده؛ بل تتحقق أيضاً بالعدل والانضباط والثقة المتبادلة.
سابعاً إلى المسؤولين لا تديروا الأزمة من خلف المكاتب
إن المسؤولية في أوقات الشح ليست مجرد إصدار بيان يوضح أسباب النقص، ولا إعلان أسعار جديدة، ولا مطالبة المواطنين بالصبر.
الصبر مطلوب، لكنه لا يُغني عن التخطيط، والتوكل لا يُغني عن الأخذ بالأسباب، والظروف الاستثنائية لا تعفي المؤسسات من واجبها في تحسين الأداء.
المطلوب من الجهات المسؤولة أن تقدم للمواطن إجابات واضحة عن أسئلة أساسية
ما حجم الإمدادات المتاحة، وما الكميات المتوقع وصولها؟
كيف ستوزع هذه الكميات بين الولايات والمناطق والمحطات؟
ما الأولويات المعتمدة في توزيع الوقود خلال فترة الشح؟
كيف ستتم مراقبة الكميات المصروفة ومنع تسربها إلى السوق الموازية؟
ما آلية تلقي شكاوى المواطنين ومعالجتها؟
كيف ستُراجع الإجراءات إذا ثبت أنها تزيد الازدحام بدلاً من تقليله؟
ولا يُشترط أن تكون جميع الإجابات دقيقة منذ اليوم الأول، فالأزمات تحمل متغيرات يصعب التنبؤ بها. لكن المطلوب هو الصراحة، والتحديث المستمر للمعلومات، والاستعداد لتصحيح الأخطاء.
كما أن أي تعديل في الأسعار، إذا اقتضته ظروف الإمداد والتكلفة، ينبغي أن يُعلن بوضوح، وأن ترافقه رقابة تمنع الاستغلال والتلاعب، مع مراعاة آثار ذلك على المواصلات والسلع الأساسية والفئات محدودة الدخل.
فالمواطن يستطيع أن يتفهم صعوبة الظروف حين يجد أمامه إدارة صادقة تعمل على الحل، لكنه يفقد الثقة حين يجتمع عليه الشح وارتفاع التكلفة وغياب المعلومة وسوء المعاملة.
ثامناً إلى المجتمع.. لا تجعلوا الأزمة أكبر مما هي عليه
للمجتمع أيضاً دور لا يمكن تجاهله.
فليس من الحكمة أن يتعامل الجميع مع أي خبر عن وصول الوقود باعتباره دعوة إلى التزاحم والتدافع، أو أن يسارع كل صاحب مركبة إلى تخزين كميات تفوق احتياجه خوفاً من انقطاع الإمدادات مجدداً.
إن الشراء بدافع الخوف، وتخزين الوقود دون ضرورة، وإعادة بيعه بأسعار مرتفعة، وتداول الشائعات عن انعدام الإمدادات أو وصولها، كلها سلوكيات قد تزيد الأزمة حدة، حتى عندما تكون الكميات المتاحة قابلة للتوزيع بصورة أفضل.
نحن لا نطلب من المواطن أن يتخلى عن حقه، ولا أن يصمت عن الخلل، ولا أن يقبل الاستغلال.
بل نطالبه بأن يمارس حقه بوعي، وأن يبلغ عن التجاوزات عبر الوسائل المناسبة، وأن يرفض الممارسات التي تضر بالآخرين، وأن يدرك أن مصلحته الشخصية لا تنفصل تماماً عن المصلحة العامة.
وعلى أصحاب المركبات أن يلتزموا بالدور، وعلى العاملين في المحطات أن يلتزموا بالشفافية، وعلى الجهات الرقابية أن تطبق القانون، وعلى المواطنين أن يرفضوا الفوضى دون أن يتحول رفضهم إلى فوضى أخرى.
فالأزمات لا تكشف فقط عن حجم الموارد المتاحة، بل تكشف أيضاً عن مستوى المسؤولية التي يحملها كل طرف تجاه الآخرين.
تاسعاً: من رد الفعل إلى خطة عمل
حتى لا تبقى هذه الأفكار مجرد دعوة عامة، يمكن البدء بخطة عملية على ثلاث مراحل
المرحلة الأولى التنظيم العاجل
حصر المخزون المتاح والإمدادات المتوقع وصولها.
توزيع الكميات على أكبر شبكة ممكنة من المحطات المؤهلة، وفقاً للمخزون واحتياجات المناطق.
إعطاء الأولوية للخدمات الحيوية والنقل العام وفق معايير معلنة.
نشر معلومات دورية عن المحطات التي يتوافر فيها الوقود، متى أمكن التحقق من ذلك.
تشكيل فرق ميدانية لمراقبة التوزيع ومعالجة الاختناقات والشكاوى.
المرحلة الثانية: ضبط التوزيع والرقابة
تسجيل الكميات الواردة والمنصرفة في المحطات.
وضع آلية مرنة لتقدير احتياجات مركبات النقل العام والمركبات الخدمية.
مراقبة البيع غير القانوني والتخزين الاستغلالي.
إنشاء قناة واضحة للشكاوى، مع إجراءات معلنة للتحقق منها.
مراجعة أثر القيود المفروضة على الازدحام والأسعار وحركة النقل.
المرحلة الثالثة بناء نظام أكثر استدامة
إنشاء قاعدة بيانات مبسطة للمحطات والمخزون والاستهلاك.
تطوير نظام لتتبع الإمدادات من المستودعات إلى نقاط البيع.
تحسين التنسيق بين الولايات في حركة المركبات وتوزيع الوقود.
وضع خطط للطوارئ تحدد كيفية التصرف عند تكرار نقص الإمدادات.
نشر تقارير دورية تقيس مدى تحسن التوزيع، وتوضح مواطن الخلل والإجراءات التصحيحية.
ولا ينبغي تطبيق هذه التدابير جميعها دفعة واحدة، أو تحويلها إلى جهاز بيروقراطي جديد. يمكن البدء بما هو متاح، واختبار الإجراءات في منطقة محددة، وقياس نتائجها، ثم تعميم ما يثبت نجاحه.
فالإدارة الجيدة ليست بالضرورة الأكثر تعقيداً، وإنما الأكثر قدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة.
أخيراً الوقود قد ينفد، لكن المسؤولية لا ينبغي أن تغيب
نحن في السودان لا نحتاج إلى أزمة جديدة تضاف إلى سجل معاناة المواطن، ولا إلى صراع يومي بين صاحب المركبة والعامل في المحطة، أو بين المواطن والجهاز النظامي، أو بين الولاية وأخرى.
نحتاج إلى أن يفهم الجميع أن ندرة الوقود مشكلة اقتصادية ولوجستية وإدارية في آن واحد، وأن التعامل معها يتطلب تنسيقاً بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، لا تبادل الاتهامات وحده.
نحتاج إلى مسؤول يقترب من الميدان، ويستمع إلى المواطن، ويراجع الأرقام، ويتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
ونحتاج إلى جهاز أمني يحفظ النظام ويصون الكرامة، وإدارة محطة تلتزم بالشفافية، وصاحب مركبة يقدر ظروف الآخرين، ومواطن يطالب بحقه دون أن يعتدي على حق غيره.
إن الوقود حين يصل إلى البلاد لا ينبغي أن تبدأ معه معركة جديدة للحصول عليه؛ بل ينبغي أن تبدأ عملية منظمة تضمن وصوله إلى الناس والقطاعات الأكثر احتياجاً، وفق قواعد واضحة وعادلة.
ولعل أهم ما يجب أن نتذكره أن وفرة الإمدادات تخفف الأزمة، لكن حسن الإدارة يمنع تحول الندرة إلى فوضى، والعدالة في التوزيع تمنع تحول الحاجة إلى صراع، واحترام الإنسان يحفظ ما تبقى من الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لقد أنهكت الحرب الناس، وأثقلت كواهلهم، وأخذت من أعمارهم وأرزاقهم وأمنهم الكثير. فلا ينبغي أن نضيف إلى كل ذلك معاناة يمكن تقليلها بالتخطيط والتنسيق وحسن التصرف.
لسنا مطالبين بأن نصنع الوقود من العدم، ولكننا مطالبون بألا نصنع الفوضى من الندرة.
ولسنا مطالبين بأن نحل جميع المشكلات في يوم واحد، ولكننا مطالبون بأن نبدأ من اليوم، وأن نضع كل خطوة في مكانها الصحيح.
فالأوطان لا تُدار في أوقات الرخاء وحدها؛ وإنما تظهر قيمة الإدارة حين تضيق الموارد، وتشتد الحاجة، ويصبح القرار العادل فارقاً بين أزمة يمكن احتمالها وأزمة تستنزف المجتمع بأكمله.
والله من وراء القصد.
تقدم حلولاً قابلة للنقاش والتنفيذ.
للجهات المسؤولة: أعلنوا خطة التوزيع، وراقبوا الإمدادات، وصححوا الاختلالات بشفافية.
للأجهزة النظامية احفظوا النظام وكرامة المواطن معاً؛ فلا تعارض بين الحزم والاحترام.
للمجتمع لا تجعلوا الخوف والتخزين والشائعات والممارسات الاستغلالية أزمة الندرة أكبر مما هي عليه.
أما مسألة الأرقام الفردية والزوجية، أو تخصيص محطات لكل فئة من المركبات، فأفضل أن تُطرح باعتبارها خيارات تنظيمية تُختبر وفق بيانات الازدحام والتوزيع، لا حلولاً مؤكدة سلفاً؛ فقد تنجح في منطقة وتزيد المشكلة في منطقة أخرى.
وهنا تكمن الفكرة التي تستحق أن تبقى في ذهن القارئ ليست العبرة بكثرة القيود التي نفرضها في زمن الأزمة، وإنما بقدرتنا على تنظيم الموارد المتاحة بحيث يحصل المواطن على حاجته، وتستمر الخدمات، وتُصان كرامة الناس.
د. باسم عباس الطيب الامام
معهد السكر بجامعه الجزيره










