الحلقة الثالثة: كسر الاحتكار.. وتأسيس الجمعيات الإنتاجية
مقدمة التوثيق: في هذه الحلقة الثالثة من شهادة الأستاذ فتح الرحمن الماحي، ننتقل من مرحلة الصمود الميداني والمواجهات الجنائية إلى مرحلة “النضال التنظيمي والإداري”. كيف استطاع المزارعون تحويل أزمتهم إلى كيانات قانونية رسمية تحميهم، وما هي حقيقة تجربة دخول شركة كنانة وخروجها من مشروع الرهد؟

استمراراً لتوثيق هذه المسيرة الملهمة، نفتح اليوم ملف التغيير التنظيمي الذي أعاد تشكيل خريطة العمل الزراعي في مشروع الرهد.
قانون 2011 ومماطلة لجنة التسيير
في عام 2011، صدر قانون الجمعيات الزراعية الجديد، وكان يهدف بالأساس إلى تمكين المزارعين من تشكيل جمعيات إنتاجية مستقلة تنظم عملهم، وتدير تمويلهم وتسويقهم، وتمثل مصالحهم بشكل مباشر بعيداً عن الهياكل التقليدية.
غير أن الاتحاد القائم وقتها عمل على عرقلة تطبيق هذا القانون، واستمر في إدارة المشهد تحت مسمى “لجنة تسيير” لمدة قاربت الثلاث سنوات. كان الهدف من هذا الإرجاء واضحاً؛ إذ إن قيام الجمعيات الإنتاجية وفق القانون الجديد كان يعني تلقائياً إنهاء سلطة الاتحاد القديم وسحب البساط من تحت إمبراطوريته التنفيذية والمالية.
رحلة الخرطوم ولحظة الحسم (2014)
أمام هذا الانسداد الإداري، قررنا في عام 2014 اتخاذ خطوة جريئة والمبادرة بالذهاب إلى العاصمة الخرطوم.
توجهتُ برفقة “مجموعة الطائف” والأستاذ أحمد وعدد من الشباب الملتزمين بالقضية، لمقابلة مسجل تنظيمات مهن المزارعين والرعاة الاتحادية. ومن حسن الطالع أن المسؤول عن هذا الملف كان زميلي السابق في الخدمة، اللواء محمد صالح.
شرحنا له الواقع في الرهد ورغبتنا القاطعة في تأسيس جمعيات زراعية قانونية وفقاً لقانون 2011، فكان موقفه حاسماً ومباشراً إذ قال لنا:
«طوالي.. هذا حقكم بالقانون.»
أصدر لنا الأوراق الرسمية المعتمدة، وسلمنا كتاب القانون واللوائح المنظمة. وبناءً على ذلك، شرعنا فوراً في الإجراءات، ونجحنا في تأسيس الجمعية الأولى ثم الجمعية الثانية في العام 2014.
كانت هذه الخطوة هي شرارة التحول التنظيمي؛ حيث انتشرت فكرة الجمعيات الإنتاجية كالنار في الهشيم، وأصبح المزارعون في مختلف القرى والقطاعات قادرين لأول مرة على تنظيم أنفسهم في كيانات شرعية تمثلهم وتفاوض باسمهم.
تجربة «شركة كنانة» في مشروع الرهد.. الدعم الضخم والنتيجة الصفرية
خلال تلك الفترة، دخلت شركة “كنانة” إلى مشروع الرهد في إطار ترتيبات رافقت حل المؤسسة وإعادة هيكلتها، وكان للاتحاد دور بارز في إدخالها وتسهيل مهامها.
حصلت كنانة على دعم مالي ولوجستي غير مسبوق. وأقولها بوضوح وأمانة توثيقية: لو خصصت الدولة لمشروع الرهد مجرد 20% فقط من حجم الدعم الذي أغدقته على كنانة، لكان وضع المشروع اليوم في قمة الازدهار والتطور.
مكثت كنانة في المشروع زهاء عامين، صُرفت خلالهما مبالغ طائلة دون أن تنعكس على الأرض بعائد ملموس يتناسب مع حجم الإنفاق، حتى إن المزارعين كانوا يقولون بسخرية مريرة إن الشركة «لم تنتج حتى شوال فول واحد» طوال تلك الفترة!
عودة المؤسسة على يد «مولانا وعبد العظيم»
عقب خروج كنانة وإخفاق تجربتها، عادت المؤسسة لتتحمل مسؤوليتها بقيادة الأستاذ عبد الله مولانا والأستاذ عبد العظيم.
وهنا لا بد من إحقاق الحق وتقديم شهادة للتاريخ في حق هذين الرجلين؛ فقد عملا في ظروف معقدة للغاية، وسط انتكاسات مالية متتالية، وارتفاع باهظ في تكاليف العمالة والتشغيل. ومع ذلك، وبفضل كفاءتهما الإدارية وصبرهما الشديد، استطاعا إعادة الروح إلى المؤسسة، واستعادة نشاطها التشغيلي تدريجياً، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل الصمود في الرهد.
- في الحلقة الرابعة والأخيرة: تجربة القطن الصيني في «القرية 18»، تعميم الزراعة التعاقدية في الجزيرة والسوكي، والدروس الاقتصادية المستفادة لحماية المزارع من تقلبات الأسعار.










