إذا كان المفهوم الأصيل للسياسة يدور حول تدبير شؤون الناس، وحماية أرزاقهم، ورأب الفجوات بين احتياجاتهم، فإنها في بلادنا المكلومة قد انحرفت عن سكتها الفطرية لتتحول إلى “سوس” ينخر العظام، ومطرقة تهد الأركان.
في بلادنا المنكوبة، لم تعد السياسة طريقًا إلى الناس، بل صارت في كثير من الأحيان طريقًا إلى السلطة. ولم تعد السلطة وسيلة لخدمة الوطن، بل غدت غاية تُستدعى من أجلها كل أدوات الصراع، ويُوقظ في سبيل الوصول إليها كل ما هو مظلم وشرير في النفس البشرية.
ولكي تمتطي السياسة في بلادي، عليك أولًا أن تفتش في زوايا النفس عن أكثر غرائزها ظلمة ، فلا بأس أن تُستثار الكراهية، وأن تُنفخ في نار النعرات الطائفية والمناطقية والجهوية والعنصرية. لا بأس أن يُقسَّم الناس إلى معسكرات، وأن يُدفع الأخ إلى الشك في أخيه، والزميل في زميله والجار في جاره .
ولا بأس، في سبيل الوصول إلى كرسي السلطة، أن يُستعدى العالم على بلدك، بالحق حينًا وبالباطل أحيانًا، وأن تُعقد التحالفات مع كل طامع، وأن يُستدعى الخارج حين يعجز الداخل عن منحك ما تريد.
فما الضرر؟
المهم أن تصل إلى السلطة!
ثم ماذا؟
تجلس على الكرسي نفسه الذي جلس عليه من قبلك، وتبدأ الحكاية ذاتها: تشيطن من سبقك، وتحمّله كل خطايا الوطن، وتعلن أنك جئت لتُنقذ البلاد من الفشل الذي صنعه السابقون او ان تريهم ضوءا في آخر النفق .
وما إن تنتهي الدورة حتى يأتي آخرون، فيكررون السيناريو ذاته، (لا إنقاذ ولا ضوء ولا هم يحزنون)
كل من سبقنا كان شيطانًا… وكل من جاء بعده سيقول إنه جاء ليطرد الشياطين…. لكن، يا لمرارة الحقيقة!
إذا كان الجميع قد كانوا فاشلين، وإذا كان الجميع قد أفسدوا، وإذا كان كل عهد يلعن العهد الذي سبقه، فمن الذي أوصل البلاد إلى هذا القاع؟
إنها ليست مجرد معركة بين أشخاص.
إنها منظومة كاملة من التفكير السياسي أكلت من جسد الوطن كما يأكل السوس الخشب ، لا يُسمع له صوت، لكنك تكتشف بعد حين أن الجدار الذي كنت تظنه صلبًا صار أجوف من الداخل، وأن السقف الذي احتميت تحته لم يعد قادرًا على الصمود.
لقد أثخنت السياسة والسياسيون هذه البلاد بالجراح.
جرحٌ يفتح جرحًا، وأزمة تلد أزمة، وانقسام يجر إلى انقسام، حتى أصبح الوطن نفسه ينزف من كل الجهات.
والأكثر إيلامًا أن هذا الداء لم يعد حبيس القصور السياسية ولا المنابر الحزبية؛ لقد تسلل إلى كل مفاصل الدولة والمجتمع.
تسلل إلى مؤسسات العمل والخدمة المدنية، وإلى المؤسسات الطوعية، وإلى الاتحادات التي كان يفترض أن تكون بيوتًا للمنتجين وأصواتًا لأهل المهنة والمصلحة.
فماذا حدث لها؟
تحولت بعض هذه المؤسسات من ساحات للعمل إلى ساحات للتشاكس، ومن منصات لخدمة الناس إلى ميادين لتصفية الحسابات.
بدل أن يتنافس الناس في الإنجاز، يتنافس بعضهم في إسقاط بعض.
وبدل أن تُستثمر الفرص لبناء المؤسسات، تُستغل أحيانًا لكسر ضلع، أو قصم ظهر، أو إقصاء صاحب رأي، أو إغلاق الباب في وجه من لا ينتمي إلى المعسكر الصحيح (في رأيهم ) .
ضلوا وخابوا …
فالوطن الذي يحتاج إلى كل يدٍ تبني، يجد أبناءه مشغولين بعضّ أصابع بعض.
والبلد الذي يحتاج إلى عقل يخطط، ويد تعمل، وضمير يخاف الله في الناس، يجد السياسة قد ابتلعت معظم مساحته، حتى صار الجدل أكثر من العمل، والكلام أكثر من الإنتاج، والصراع أكثر من البناء.
يا له من بلد شقي!
بلد يُستهلك فيه الناس في معارك لا تُنتج خبزًا، ولا تشيد مدرسة، ولا تفتح مستشفى، ولا تصلح طريقًا، ولا تعيد للمزارع أرضه، ولا تمنح الشاب فرصة للعمل، ولا تعيد للنازح بيته.
وطنٌ أنهكته الخطب، وأرهقته الشعارات، وأتعبته الخصومات، بينما الحياة في الطرف الآخر تنتظر من يمد إليها يده.
لقد طال الليل يا بلادي.
ليلٌ يتبعه ليل، وويلٌ يجر ويلًا، وتردٍّ يعقبه تردٍّ، حتى صار المواطن يتساءل: متى يأتي الصباح؟
الوطن أكبر من الجميع.
آن لنا أن نختلف دون أن نتقاتل، وأن نتنافس دون أن نتآمر، وأن نعارض دون أن نهدم، وأن نصل إلى السلطة دون أن نحرق الطريق إلى الوطن.
فالسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعًا ليس:
من سيحكم؟
بل:
كيف نحكم دون أن نهدم؟
وليس:
من أسقط من؟
بل:
من سيبني ما تهدّم؟
لكن السودان لم يمت بعد.
وهذه هي المساحة الصغيرة التي يجب ألا نسمح لليأس أن يسرقها منا.
فما زال في هذا الوطن مزارع يزرع رغم الخوف، وعامل يعمل رغم العسر، ومعلم يحمل رسالته، وطبيب يمسك سماعته، وأمٌّ تصنع من القليل حياة، وشاب يحلم رغم أن الواقع يصر على كسر أحلامه.










