- إعداد / عزيزة المعراج
تقرير تحليلي استقصائي في مداولات وورش العمل الزراعية حول أزمة التقاوي الموثوقة ومستقبل محصول القطن بمشروع الجزيرة والرهد

جاءت هذه النقاشات والمداولات المستفيضة ضمن الأوراق العلمية والبحثية التي قُدّمت خلال الاحتفال باليوم العالمي للقطن، والذي أُقيم بمبادرة من منظمة القطن وبدعم كامل من إدارة مشروع الجزيرة، وبمشاركة واسعة من جهات علمية وإستراتيجية بارزة شملت هيئة البحوث الزراعية واللجنة الدولية الاستشارية للقطن (ICAC).
وقد شهدت أروقة هذا الاحتفال سجالاً محمومًا وعميقًا حول “الزراعة التعاقدية“، بوصفها الخيار الاستراتيجي الأوحد لمعالجة معضلة انحسار التمويل الحكومي وغياب الميزانيات الرسمية لتطوير سلاسل القيمة. وبينما يرى المستثمرون وشركات القطاع الخاص في هذه الصيغ التعاقدية طوق نجاة ينعش إنتاجية المحاصيل النقدية وعلى رأسها القطن، يرفض المزارعون والنقباء القانونيون اختزال هذا المفهوم في عقود الإذعان أو التمويل الجزئي المنقوص الذي يفرغ العملية الإنتاجية من روح الشراكة العادلة وتوازن الحقوق والواجبات، وقد جاء ذلك خلال مداخلة المزارع من النيل الأزرق عبد الحميد آدم الشرتاي .
أولاً: إشكالية العقد بين الهشاشة القانونية واستغلال حاجة المزارع
تُظهر المداولات الاستثنائية التي شهدتها الورش المنعقدة على هامش الاحتفال لتقييم تجربة القطن بشركات ومشاريع الجزيرة والرهد، أن العقد التمويلي الراهن يفتقر في كثير من أركانه إلى متطلبات التوازن القانوني والهيكلي. وقد تجلى ذلك أيضا في مداخلة عبد الحميد آدم الشرتاي احد ممثلي الجمعيات القاعدية والمزارعين الذين عبروا عن مخاوف حقيقية من انزلاق المزارع البسيط إلى مستنقع المديونيات المظلمة.
في مداخلة صريحة للمزارع والمهندس معتصم عبد الله حسن بمشروع الرهد:”إن شح التمويل وانسحاب الدولة وسياستها التحريرية الشاملة فرضت على المزارعين البحث اضطرارياً عن بدائل تمويلية. إلا أن المفهوم الحقيقي للشراكة التعاقدية يجب أن يضمن معادلة ربحية متوازنة، واسترداد تكلفة التمويل عبر المنتج النهائي بشروط عادلة، وليس باستغلال ثغرات التمويل المباشر أو فرض أسعار مجحفة تجعل المزارع يشعر غريزياً بأن محصوله يُسلب منه.”
أبرز الاختلالات القانونية والتعاقدية المرصودة حسب راي المزارع كمال حريز :
• غياب التغطية التأمينية الفاعلة: تأخر شركات التأمين في تقييم وإصدار وثائق التغطية؛ إذ تفيد الشهادات الميدانية بتأخر وصول فرق المعاينة لتصحيح الأضرار والتقييم لمراحل متاخرة، مما يحرم المزارع من حق التعويض ويجعله المتحمل الوحيد للمخاطر المناخية والآفات.
• الشرط الجزائي والضمانات البنكية: إلزام ممثلي الجمعيات القاعدية بإحضار ضامنين أو تقديم شيكات ضمان تجعل القيادات الأهلية عرضة للملاحقات القضائية في حال إخفاق الموسم أو تأخر المدخلات من قبل الشركة نفسها .
• ثنائية الاستلام والتسعير: غياب آليات الشفافية في تحديد درجة جودة القطن والمواصفات الفنية عند الاستلام بالمحالج، مما يتيح للشركات خفض أسعار القنطار بحجة تدني المواصفات دون وجود جهة تحكيمية محايدة.

ثانياً: فخ التمويل الجزئي مقابل التمويل الكامل
توقف التقرير ملياً عند الرؤية النقدية الصارمة التي قدمتها باشنهندس زراعي هيلانة محمد شريف فضل الله مدير إدارة الاستثمار بهيئة الرهد الزراعية حول فلسفة الزراعة التعاقدية، حيث وضعت حداً فاصلاً بين مفهوم “التعاقد الزراعي المتكامل” وبين صيغ التمويل التجاري المبتسر.
المفهوم الجوهري للزراعة التعاقدية:”أي زراعة تعاقدية جزئية لا تُسمى زراعة تعاقدية إطلاقاً. إذا لم توفر الشركة الممولة تمويلاً كاملاً لكافة مدخلات الإنتاج والعمليات الفلاحية من التحضير والتسميد وحتى الحصاد والترحيل، فإن العقد يتحول مجرد عقد تجاري عادي خاضع لأحكام البيع والتنازل، ولا يحقق مقاصد النهوض بالإنتاج الزراعي.”
وترتب على هذا التمييز الفني استنتاج حاسم: إن اكتفاء بعض الشركات بتقديم بعض التقاوي أو المدخلات الجزئية مع الامتناع عن تمويل بقية العمليات الفلاحية، يضع المزارع في منتصف الطريق؛ فلا هو قادر على إكمال الفلاحة بأعلى جودة، ولا هو قادر على التملص من التزامات العقد، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض إنتاجية الفدان وتدهور مواصفات ألياف القطن.

ثالثاً: البعد الفني وتوحيد التقاوي وسلاسل القيمة
لم تتوقف النقاشات عند الحدود القانونية والتمويلية، بل امتدت لتلامس الجوهر الفني والصناعي لمحصول القطن. فقد أبرز المتحدثون أن غياب التجانس في التقاوي والمبيدات والعمليات الزراعية أفقَد القطن السوداني ميزته التنافسية في الأسواق العالمية والإقليمية.
وفي مقارنة مريرة أجراها البخاري حبيب الله حمد خلال مشاركته في مؤتمرات صناعة القطن الإقليمية (مثل مؤتمر مصر للقطن)، أشار إلى مشاهدة دول إفريقية حديثة العهد بالزراعة مثل بوركينا فاسو وزامبيا تحتل منصات التتويج والريادة في جودة الألياف والتصنيع، بينما يتراجع موقع السودان بسبب التشرذم في إدارة أصول التقاوي وتعدد الأصناف المتباينة داخل المشروع الواحد.

المتطلبات الفنية الشاملة لإصلاح المنظومة:
• توحيد التقاوي المعتمدة: إلزام كافة الشركات التعاقدية بالتزويد بتقاوي محسنة عالية الإنتاجية وموحدة جينياً، لضمان استقرار طول ومتانة التيلة عند الحلج.
• الالتزام بالمواصفات الصناعية: ربط أسعار الشراء بالجودة الحقيقية للمنتج لتشجيع المزارع على الفلاحة الجيدة، مع توفير المحالج الحديثة التي تحافظ على خصائص الألياف دون إتلافها أثناء عمليات الفصل.
• ترسيخ عنصر الثقة: التأكيد على أن الثقة بين الممول والمنتج هي الحجر الزاوية، وأن الشراكة الناجحة تحتاج تظافر الجهود لعدة مواسم متتالية لبناء نموذج مستدام وقد تم طرح هذه النقطة من المزارع دفع الله كعورة من الرهد .

رابعاً: التوصيات وخارطة الطريق المستقبلي
بناءً على التقييم الشامل لمجمل الاراء في الورشة والمداولات الميدانية، يتطلب الإصلاح الهيكلي للزراعة التعاقدية اتخاذ التدابير العاجلة التالية:
1. صياغة عقد نموذجي موحد (Standard Contract): تشكيل لجنة قانونية وفنية مشتركة تحت إشراف إدارة مشروع الجزيرة والرهد ووزارة الزراعة لصياغة نموذج عقد يحمي حقوق الطرفين ويمنع شروط الإذعان.
2. إلزامية التمويل الشامل: حظر العقود الجزئية واشتراط تقديم حزمة تمويلية كاملة تشمل المدخلات، التحضيرات، الرش، الحصاد، والترحيل.
3. إعادة هيكلة المنظومة التأمينية: تفعيل برامج تأمين زراعي سريع الاستجابة يرتبط بفرق تقييم ميدانية فورية للحد من الآثار الناجمة عن الآفات والمخاطر المناخية.
4. تأسيس مجلس أعلى للشركاء: يضم ممثلين عن تنظيمات المزارعين، شركات القطاع الخاص، إدارة المشاريع، والخبراء الفنيين لضمان الشفافية ومتابعة الأداء الموسمية.











