لم يعد الأمر مجرد خلل فني عابر، ولا أزمة طارئة تُعالج بالمسكنات والوعود الخاوية؛ بل تحول في حاضرة ولاية الجزيرة “ود مدني” وتحديداً في حي المنيرة إلى مظلمة صريحة ومعاناة مستمرة تعصر القلوب والأجساد. أن تمتد القطوعات لأكثر من أربع وعشرين ساعة متواصلة في قلب المدينة العريقة، ثم تأتي الكهرباء حياءً كطيف خفي في هزيع الليل والناس نيام، لتغادر قبل أن يستيقظوا، فهذا ليس مجرد سوء إدارة للشبكة، بل إهانة بالغة لكرامة المواطن واستخفاف بأبسط حقوقه في البقاء.
هل تتعامل شركة الكهرباء في ولاية الجزيرة مع حي “المنيرة” وفق فرضية واهمة تفترض أن جميع سكانه يمتلكون منظومات طاقة شمسية بديلة؟ أم أن منطق التخطيط والتوزيع بات يخضع لمعايير مجحفة، فيُضحى بهذا الحي ليُترك أهله ممن لم يستطع إلى الطاقة البديلة سبيلاً، يتقلبون على جمر الإهمال وقسوة العتمة؟
إن ما يجري ليس غياباً للتيار فحسب، بل هو دفع قسري للأهالي نحو جحيم مزدوج؛ بين وطأة الحرارة الراتبة في سهول الجزيرة الخصبة، وبين ضنى بعوض الملاريا ليلا وبعوض حمى الضنك التي تفتك بالأجساد المنهكة في عز النهار ، وسط عجز تام ومرافق صحية تعاني الأمرين لمواجهة هذه الكارثة البيئية والإنسانية الصامتة.
إلى السيد والي ولاية الجزيرة.. الرعية في ذمتك
وهذه الرعية المعذبة في حي المنيرة بـ “ود مدني” هي شريحة أصيلة من أبناء ولايتك الذين وُليت أمرهم، وإن الأمانة العظمى الملقاة على عاتقك تقتضي ألا تُترك أوجاعهم خلف جدران الصمت والتجاهل الإداري. إن المسؤولية الأخلاقية والتنفيذية تتطلب منك وقفة حازمة ومباشرة للتحقيق في هذه الفوضى، ومحاسبة المقصرين الذين يحرمون الناس من أدنى مقومات الحياة الكريمة في عاصمة الولاية.
إليك تُرفع المشتكى -بعد الله عز وجل-، والشارع في المنيرة لا ينتظر بياناً تبريرياً عابراً، بل ينتظر قراراً سياديّاً يعيد النور إلى حيٍّ أطفأه الإهمال، وأثقله المرض.










