في أزمنة الجفاف الشديد وشح الغيث، تشرئبّ الأعناق عادةً نحو السماء، وتُهيّأ الساحات والميادين للتضرع وطلب السقيا عبر صلاة الاستسقاء ، شعائر رافقت مجتمعات السودان وولاية الجزيرة خصوصاً لقرونٍ طويلة. غير أن المتابع للمشهد اليوم في ود مدني وقرى الجزيرة الممتدة، يلمس صمتاً لافتاً وغياباً شبه تام لهذه الدعوات الجماعية، في مفارقة تطرح أسئلة عميقة حول العوامل الكامنة خلف هذا العزوف.
التفسير الأوليّ والواضح لهذه الظاهرة يعود بالأساس إلى التداعيات الجسيمة للحرب والانشغالات الأمنية التي ألقت بظلالها على الولاية. فقد أدت هذه الظروف إلى شبه تعطيل الهياكل الرسمية وومنها بالطبع المؤسسات الدينية المفصلية—كالإدارة العامة للشؤون الدينية والأوقاف بالولاية ، والتي كانت تتولى تاريخياً مهمة التنسيق والتحشيد لهذه المناسبات الجامعة.
يضاف إلى ذلك موجات النزوح وتفرق التجمعات السكانية، مما جعل من تنظيم الصلوات الجامعة في الساحات العامة أمراً حرجاً ودون أولويات المرحلة التي يفرضها واقع البقاء والأمن وإدارة الأزمات اليومية المعيشية والأمنية.
لكن خلف هذا البعد الهيكلي، يستتر بعدٌ آخر أكثر إيلاماً يتصل بالوعي الجمعي لسكان الولاية ، وتحديداً في حاضرة الولاية “ود مدني”. ففي ظل التردي المريع للبنية التحتية، وتراكم النفايات، وتعطل شبكات تصريف المياه، لم يعد الهطول المطري يُستقبل بفرحة المزارع المعهودة فحسب، بل بات يُتوجس منه خيفة.
لقد أصبحت المياه الراكدة عقب كل هطول بيئة خصبة لتوالد ناقلات الأمراض—من بعوض وذباب—ما يعقبه سريعاً تفشٍ خطير للأمراض الموسمية كالملاريا وحمى الضنك والتايفويد والأمراض المعوية وتهديدات الكوليرا. وفي ظل وضع صحي منهك وقلة الإمكانيات العلاجية، أصبحت القطرة التي تنزل من السماء تحمل معها نذير معاناة بيئية وصحية لا تُطاق.
إن ما قد يبدو للوهلة الأولى “رضاً بالقحط” ليس في حقيقته إلا مفاضلة اضطرارية بين شرّين ، مفاضلة يرى فيها المواطن المعذب أن القحط والجفاف—على قسوتهما—أقل وطأة وأخف ضرراً من موجة أوبئة قد تعصف بالصحة العامة في بيئة غير مهيأة لاستقبال الجود الإلهي.
لقد أصبح غياب صلاة الاستسقاء في ود مدني مرآةً حقيقية تعكس صور المأساة المزدوجة ، حيث يجد المواطن نفسه محاصراً بين تردي مؤسسات الدولة الخدمية، وانهيار البنية التحتية، للدرجة التي جعلت من “الرحمة الهابطة من السماء” محاطةً بالمخاوف والمحاذير.
آخر الكلام
ليس المطلوب أن نعتاد الجفاف أو نألف الخوف من الغيث، بل أن نستعيد القدرة على استقبال البركة والرحمة . إن تحويل المطر من مبعث قلق إلى بشارة خير لا ينتظر معجزة من السماء، بل يبدأ من إرادة على الأرض ، يوم تُرمم البنى، وتُصان الكرامة، وتتهيأ الأزقة لإقامة صلاة الاستسقاء بقلوبٍ آمنة لا تخشى إلا من خذلان الواقع.”










