لم يعد ثمة متسع للشك أو مواربة القول بشأن حجم الاستهداف الممنهج الذي تعرّض له السودان؛ أرضًا وشعبًا ومؤسسات، خلال واحدة من أشد المحن تعقيداً في تاريخه الحديث. لقد تتكشفت السطور وانجلت الملامح عن تقاطع أجندات إقليمية ودولية تسعى بلا هوادة إلى زعزعة استقرار البلاد، وتمزيق نسيجها الاجتماعي المتماسك، والعبث بوحدتها الترابية، في خدمة صريحة لمصالح غريبة لا تقيم وزناً لتطلعات الشعب السوداني أو كرامته الوطنية.
إن التدخل في الشأن الداخلي للبلاد—أياً كان مصدره أو ذريعته—يشكّل انتهاكاً صارخاً لكل المواثيق والأعراف الدولية. فالدول العريقة لا تُدار من الخفاء، وإرادة الشعوب الحرة لا تُصادَر عبر تغذية الصراعات، أو هندسة الأزمات، أو رعاية الفوضى المأجورة.
وعلى الرغم من فداحة الأثمان وقسوة الابتلاء، أثبت العقل الجمعي السوداني أنه أكثر صلابة ووعياً مما توهّم المراهنون. لقد تهاوت الحسابات الخاطئة، وسقطت الرهانات الإقليمية والدولية تحت أقدام وعيٍ شعبي تجذّر عبر التاريخ؛ مؤكداً أن السودان، بحضارته الضاربة في عمق الزمان، ليس ساحة مستباحة للعبث، ولا قطعة شطرنج تحركها أطراف خارجية.
لقد غدا جلياً أن أي مشروع يستهدف مصادرة القرار الوطني، أو إحلال الوصاية بدلاً عن الإرادة الشعبية، هو مشروع ولد ميتاً ومحكوم عليه بالفشل الذريع مهما تنوعت أدواته. لا لأن الطريق مفروش بالورود، بل لأن هذا الشعب يتكئ على إرث صلب من الحصانة الوطنية والوعي العصي على الاختراق.
وإذا كانت هناك أطراف قد خُيِّل إليها أن بوسعها الاستثمار في الآلام الإنسانية للسودانيين، أو توظيف المعاناة اليومية لانتزاع مكاسب سياسية رخيصة، فإن دروس التاريخ الاستراتيجية تؤكد دوماً أن الشعوب قد تبتلى لكنها لا تُهزم، وقد تتألم لكنها لا تنكسر؛ وأن كل من يتلاعب بمصير السودان إنما يغامر بدفع كلفة سياسية وتاريخية باهظة.
إلى كل من يتوهّم أن هذا السودان دولة هشة أو جدار قصيرة: إن أمن هذه الأمة وكرامتها ليسا محلاً للمساومة، وإن محاولات فرض أمر واقع أو صناعة الفوضى لن توفر للعاكفين عليها سقفاً آمناً، بل ستنقلب حتماً على أصحابها. فالأمم الراسخة تعرف متى وكيف تذود عن حمى الوطن.
يقف السودان اليوم في مواجهة عاصفة عاتية، لكنه يواجهها بثبات واقتدار، مستنداً إلى تلاحم أبنائه وإيمانهم المطلق بأن الوطن لا يُبنى بالارتهان، ولا يُصان بالاستسلام.
وفي المحصلة النهائية، تبعد كل التكهنات وتبقى الحقيقة الناصعة: السودان لن يُختطف، ولن يُدار إلا بأيدي وعقول أبنائه الأوفياء. أما الذين راهنوا على انكساره، فلن يحصدوا في نهاية المطاف سوى الخيبة ومطاردة الوهم.










