بروفيسور . جودة الله إبراهيم النور
أستاذ القانون – جامعة الجزيرة
حين تحوّلت واشنطن، دون سند قانوني، إلى حارس بوابة يقرر من يحق له مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن لا يحق له، فإنها لم تخرق التزاماً سياسياً عابراً، بل خرقت نصاً تعاهدياً نافذاً وملزماً هو اتفاقية المقر المبرمة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة بتاريخ 26 يونيو 1947.
والسودان هنا ليس طرفاً هامشياً في هذه الاتفاقية، بل دولة عضو كاملة العضوية، تتمتع بموجب ميثاق الأمم المتحدة وبموجب هذه الاتفاقية بحق أصيل غير قابل للتصرف في تمثيل نفسها أمام الجمعية العامة، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها الثنائية مع الدولة المضيفة.
وقد جاءت اتفاقية المقر المبرمة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة في 26 يونيو 1947 لتضع إطاراً قانونياً واضحاً لهذه المسألة. فالقسم 11 يلزم الدولة المضيفة بتيسير مرور الفئات المشمولة بالاتفاقية إلى مقر الأمم المتحدة، بينما يؤكد القسم 12 أن هذه الالتزامات تسري بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السياسية بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة الدولة المعنية.
وهذه العبارة الأخيرة ليست تفصيلاً عابراً؛ فهي تقطع الطريق أمام تحويل الخلاف السياسي بين واشنطن وأي دولة عضو إلى وسيلة لتعطيل مشاركتها في أعمال الأمم المتحدة.
أما القسم 13، فينظم مسألة التأشيرات، وينص على منحها دون رسوم وبأسرع ما يمكن، مع مراعاة ألا تُطبّق قوانين الهجرة الأمريكية بطريقة تتعارض مع الالتزامات المقررة في الاتفاقية.
ومن ثم، فإن السؤال القانوني ليس: هل تملك الولايات المتحدة سيادة على أراضيها؟ بالطبع تملكها. وإنما السؤال الأدق
: هل يجوز للدولة المضيفة أن تستخدم التأشيرة أداةً لفرض شرط سياسي على ممثل دولة عضو كي يتمكن من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة؟
إذا صح أن منح التأشيرة قد رُبط بشرط سياسي، كاشتراط هدنة لمدة تسعين يوماً، فإن الأمر يتجاوز مجرد إجراء هجرة؛ لأنه يثير مسألة مدى توافق هذا الشرط مع الالتزامات التي رتبتها اتفاقية المقر على الدولة المضيفة.
كما ينبغي التمييز بين تقييد حركة ممثل أجنبي داخل نطاق معين وبين منعه من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة أصلاً. فالاتفاقية تقرر نظاماً خاصاً لممثلي الدول والموظفين المرتبطين بالمنظمة، ولا يجوز الخلط بين القيود المتعلقة بالحركة وبين أصل حق الوصول إلى مقر المنظمة.
ولم تترك الاتفاقية النزاع حول تفسير أحكامها بلا سبيل؛ إذ ينص القسم 21 على آلية للتحكيم في النزاعات بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة بشأن تفسير الاتفاقية أو تطبيقها. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 1988 الطبيعة الملزمة لهذه الآلية.
وعليه، فإن القضية لا ينبغي اختزالها في شخص البرهان أو في الموقف السياسي منه، وإنما في سؤال قانوني أوسع:
هل يجوز للدولة المضيفة لمقر منظمة دولية أن تجعل وصول ممثل دولة عضو إلى المنظمة رهناً بتحقيق مطلب سياسي تضعه هي؟
إذا ثبت أن المنع أو تعطيل التأشيرة تم على هذا الأساس، فإن المسألة تصبح جديرة بالبحث القانوني الجاد، لا باعتبارها خلافاً سياسياً بين واشنطن والخرطوم، وإنما باعتبارها اختباراً لمدى احترام الالتزامات التي ارتضتها الدولة المضيفة بموجب اتفاقية دولية نافذة.
ففي نهاية المطاف، اتفاقية المقر ليست مجاملة سياسية، والسيادة لا تعني التحرر من الالتزامات الدولية التي قبلتها الدولة بإرادتها.
وحين تتعارض إرادة السياسة مع نص الاتفاقية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يحسم المسألة هو: ماذا يقول القانون؟










