منتدى علمي يحذر من انهيار الأمن الغذائي، يقترح تمكين الأساتذة اقتصادياً، ويدعو لإدخال سلالات عالمية لتحسين إنتاج الألبان
وعد.الجزيرة – [عزيزة المعراج]
أطلقت جامعة الجزيرة، اليوم الخميس، جرس الإنذار المبكر حول مستقبل الأمن الغذائي في السودان، من خلال طرحها خارطة طريق علمية وعملية لإعادة إحياء قطاع الثروة الحيوانية المنهك بفعل الحرب. جاء ذلك خلال المنتدى الدوري الخامس للجامعة تحت عنوان «الثروة الحيوانية: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل»، والذي تحول إلى منصة وطنية لتشريح أزمات القطاع واستشراف حلول ما بعد الحرب.
وشهد المنتدى، الذي عُقد بمجمع الرازي وبرعاية مدير الجامعة البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، مشاركة رفيعة المستوى تتقدمها وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادي البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، ووزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية الجزيرة الدكتورة عرفة محمود، وسط حضور واسع من الأكاديميين والباحثين ومديري الجامعات.
وفي كلمة افتتاحية، رسم وزير الثروة الحيوانية الاتحادي ملامح المرحلة المقبلة، مؤكداً أن القطاع لم يعد مجرد مصدر للغذاء، بل هو «ركيزة استراتيجية» لمكافحة الفقر، وجذب الاستثمارات، ودعم ميزان المدفوعات عبر الصادرات.
وشدد الوزير على ضرورة كسر النمط التقليدي في التعامل مع الثروة الحيوانية، داعياً إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في «رقمنة» وتسجيل القطعان وتتبع حركتها، كآلية حاسمة لمكافحة تهدير الموارد الوطنية ومكافحة التهريب.
وفي مبادرة وصفت بـ «الرائدة» لدعم البحث العلمي، كشف الوزير عن تجربة لإنشاء جمعية إنتاجية بالتعاون مع البنك الزراعي لاستثمار 300 فدان، بهدف التمكين الاقتصادي للأستاذ الجامعي، مما يضمن تفرغه للإنتاج العلمي، مع التوجه لتعميم هذه التجربة على جامعة الجزيرة وبقية الجامعات السودانية.
كشفت ورقة علمية قدمتها الدكتورة أماني حسين من الوزارة عن حجم الكنز الحيواني المهدد بالانهيار، حيث يمتلك السودان نحو 113 مليون رأس من الماشية، و54 مليون طائر، وإنتاجاً سمكياً يبلغ 110 آلاف طن سنوياً.
لكن الورقة حذرت من أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 فاقمت من هشاشة القطاع الذي يمثل مصدر عيش لـ 40% من السكان. وطالبت بضرورة «الانتقال من التركيز على زيادة أعداد القطعان إلى تحسين إنتاجيتها»، مع إنشاء نظام وطني لرصد مؤشرات البروتين الحيواني، وربط الإنتاج بشبكات الأمان الاجتماعي والتغذية المدرسية.
لم يقتصر المنتدى على التشخيص، بل قدم حلولاً علمية دقيقة؛ حيث طرح البروفيسور فيصل محمد الزبير من جامعة الخرطوم رؤية لـ «ثورة وراثية» عبر إدخال سلالة «جيرولاندو» البرازيلية، التي تجمع بين إنتاجية الألبان العالية والتكيف مع المناخ الحار، مطالباً ببدء مشروع تجريبي مدروس لتجاوز ضعف إنتاجية الأبقار المحلية.
من جانبه، قدم البروفيسور قريب الله حسن العبيد من جامعة الجزيرة «تشريحاً دقيقاً» لأسباب تعثر أربعة مشاريع حيوية بالولاية، هي: حاضنة القصيرة للاستزراع السمكي، المركز السوداني التركي للتلقيح الاصطناعي، جمعية ألبان الجزيرة، والدورة الخماسية بمشروع الجزيرة. وعزا التعثر إلى «مثلث الأزمة»: انقطاع الطاقة والوقود، شح التمويل، والآثار التدميرية والنهب الذي خلفته الحرب، مطالباً بتأمين المدخلات وتشكيل لجان طوارئ لمتابعة الاستجابة.
وفي ختام الجلسات التي أدارها وكيل الجامعة الدكتور ياسر هلال الهاشمي، قدمت البروفيسور انتصار يوسف تركي رؤية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، دعت فيها إلى عدم الاكتفاء بإعادة البناء كما كان، بل البناء «على أسس علمية أكثر كفاءة»، عبر تأهيل الخدمات البيطرية، تطوير سلاسل القيمة، وإنشاء حاضنات جامعية للمشروعات الإنتاجية.
واختتم المنتدى أعماله بتأكيد مدير الجامعة البروفيسور صلاح الدين العربي على أن المنتديات العلمية يجب ألا تتوقف عند حدود الغرف المغلقة، بل يجب تحويل مخرجاتها إلى «سياسات عامة وبرامج تعافي اقتصادي»، مشيداً بتكامل الجهود بين الأكاديمية والحكومة والقطاع الخاص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قطاع الثروة الحيوانية، وضمان عودة عجلة الإنتاج للدوران من جديد.










