لا توجد خيانة أشد مرارة من تلك التي تتزيّا بزيّ السلام. ما شهده السودان ليس مجرد انكسار سياسي أو وخزي سياسي لمن يسمون نفسهم (قوى مدنية ) ، بل هو سقوط أخلاقي كامل لنخبة ارتضت أن تشتري السلطة بدماء المواطنين، وأن ترهن وجود الدولة الوطنية برمتها لبندقية ميليشيا عائلية إرهابية.
لقرون قادمة، لن تتذكر الأجيال السودانية هذه المجموعة بوصفها “دعاة سلام”، بل بوصفها الواجهة المدنية الأرخص للجريمة. نخبة لم تكتفِ بالتفرج على ذبح الوطن، بل تطوعت بوقاحة لتبييض سمعة الميليشيا الأقبح في التاريخ المعاصر، وتوفير الغطاء السياسي والتضليلي لكفيل إقليمي يهشّ بها كيف يشاء، غير آبهة بكرامة وشرف وأرواح الملايين.
لم يكن خطأ هؤلاء (الاقزام) في تقديرهم لموازين القوى، بل كان تواطؤاً متعمدا و منهجياً في عملية غسل سمعة واحدة من أكثر ( المليشيات المسلحة ) ارتكاباً للانتهاكات في التاريخ المعاصر. وفي الوقت الذي كانت فيه التقارير الدولية الصادرة عن المنظمات الأممية والجهات الحقوقية تُوثّق، بالدليل المادي القاطع، جرائم التطهير، واغتصاب الأعراض، ونهب الممتلكات، وسحق كرامة الملايين من أبناء الشعب السوداني؛ كانت هذه القوى تنشط في المكاتب والغرف المغلقة لتوفير “السرديات البديلة”، وتحريف التوصيف القانوني والإنساني للكارثة، وتنميق الفاجعة بزخرف القول (خابوا وخسئوا)
إن هذا السلوك لا يمثل مجرد سقوط أخلاقي، بل هو إعلان صريح لتفكيك العقد الاجتماعي الذي يربط السياسي بالشعب. لقد أثبتت هذه المجموعة أن طموحها بالوصول إلى سدة الحكم يتجاوز أي اعتبار لحياة المواطن أو حفظ أرضه وكرامته بل يتجاوز السودان نفسه ، لتصبح معركة البقاء السياسي لديهم مقدمة على بقاء الدولة نفسها.
لم تتوقف الكارثة عند حدود الداخل السوداني، بل امتدت لتصبح هذه المجموعة أداةً طيعة في يد “الكفيل الإقليمي” والممول المباشر لهذا الخراب المسلح. لقد ارتضت هذه (القوى ) ان جاز ان ان نطلق لفظ القوى على مجموعات الهوان ، ارتضت أن تلعب دور المصدّ السياسي والحامي الإعلامي لداعم الميليشيا، ممثلةً رأس حربة في تسويق مشروعه داخل المحافل الدولية والإقليمية، دون أي اعتبار للسيادة الوطنية أو للأمن القومي السوداني او للشعب السوداني الذي يرى مخازيها .
هذا النمط من “السياسة بالوكالة” تجرد من كل أدبيات العمل الوطني، ليتحول إلى أداة تُحرّكها التمويلات والاستجابة لرغبات القوى الخارجية ، والتي ترى في السودان مجرد ساحة بنفوذ مفتوح وموارد قابلة للنهب.
لن يرحم التاريخ الذين أراقت أقلامهم الحبر لتغطية الدماء، والذين منحوا الميليشيات المسلحة غطاءً سياسياً يسمح لها بالاستمرار في استباحة المدن والقرى. إن محاولة الهروب إلى الأمام واستخدام شعارات (وقف الحرب ) والتباكي على( السلام ) -بعد أن جرى وضع اليد في يد المنفذ المباشر للكارثة- هي محاولة مكشوفة لا تخدع إلا أصحابها.
إن الأجيال القادمة، عندما تقرأ صفحات هذه الحرب، لن تقف فقط عند أسماء من حملوا السلاح، بل ستتوقف طويلاً عند أسماء أولئك الذين عبّدوا الطريق للدمار، ووفروا له الحماية التضليلية، وقبلوا أن يكونوا مجرد “أنذال ” في هرم مشروعٍ تآمري استهدف وجود السودان من أساسه.










