بروفيسور نبيل حامد بشير وفلسفة “كسر الحلقة”
في قاعة المؤتمرات الدولية بمجمع الرازي، وبينما كانت الشاشات تعرض صور الأواني المهملة وإطارات السيارات القديمة كخرائط صامتة لبؤر الخطر، لم يكن الحضور يستمعون فقط إلى محاضرة علمية، بل كانوا يشهدون على لحظة يعيد فيها عقلٌ سوداني صياغة السؤال نفسه: كيف نواجه عدواً لا يُرى إلا حين يفوت الأوان؟
الجواب، كما قدّمه بروفيسور نبيل حامد حسن بشير، الأستاذ بكلية العلوم الزراعية بجامعة الجزيرة والمشرف على برامج الحشرات الطبية ومكافحة النواقل بمعهد النيل الأزرق القومي للأمراض السارية، لم يكن وصفة جاهزة، بل رؤية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وبيئته. فبدل الركون إلى الرش العشوائي للمبيد، وهو الحل الذي اعتاد عليه كثيرون، طرح بروفيسور نبيل مفهوم “الإدارة المتكاملة للنواقل” (IVM)، الذي يبدأ من حيث تبدأ المشكلة فعلاً: من بيضة البعوضة قبل أن تصبح يرقة، ومن اليرقة قبل أن تحلّق بالمرض في الهواء.
في ورقته البحثية المعنونة “البعوض في ود مدني: من المكافحة التقليدية إلى المكافحة الحديثة”، لم يكتفِ بروفيسور نبيل بتقديم إطار نظري، بل استند إلى دراسة ميدانية دقيقة شملت 384 منزلاً في أحياء أم سنط والبحوث وحنتوب، كشفت أن نحو 22% من هذه المنازل تؤوي يرقات البعوض دون أن يدري أصحابها. هذا الرقم، الذي قد يبدو مجرد إحصائية، هو في الحقيقة خارطة طريق كاملة لكل من يريد أن يفهم كيف يتحول المألوف اليومي – زير ماء، إطار سيارة مهمل – إلى مصدر خطر صحي حقيقي.
ما يميز طرح بروفيسور نبيل هو أنه لم يحمّل المسؤولية للأفراد وحدهم، ولا للجهات الرسمية وحدها، بل نسج منهما معاً نسيجاً واحداً: تجفيف المياه الراكدة، وردم الحفر، وتغطية أواني تخزين المياه، إلى جانب استخدام علمي ومقنن للمبيدات لا يفرط فيها بما يولّد مقاومة لدى الحشرات ويضر بالبيئة. إنها معادلة تحتاج إلى حكمة أكثر مما تحتاج إلى مجرد التقنية، وهي حكمة استمدها بروفيسور نبيل من سنوات طويلة من البحث الميداني في قلب ود مدني، مدينته وموضوع دراسته في آنٍ واحد.
.تكمن القيمة الحقيقية لورقة بروفيسور نبيل ليس فقط في متانتها العلمية، بل في أنها لا تصلح لأن تبقى حبيسة قاعة مؤتمرات أو ملفاً أرشيفياً في مكتبة أكاديمية. فالمعرفة التي تخبرنا أن الزير المنزلي أو إطار السيارة المهمل في زاوية الحوش قد يكون مصدراً لمرضٍ ينتقل بين الجيران، هي معرفة يجب أن تُترجم إلى لافتة على باب كل منزل، وحديث في كل مجلس حارة، ودرس تتناقله الأمهات لأبنائهن قبل أن تتناقله المؤتمرات العلمية. فحين تظل نتائج كهذه حكراً على المختصين، يبقى 22% من المنازل المصابة رقماً في تقرير؛ أما حين تصل إلى كل بيت وحارة، فإنها تتحول إلى درع حقيقي يحمي الأسر بيدها قبل أن تحميها أي جهة رسمية. وهذا بالضبط ما يجعل من ورقة بروفيسور نبيل حامد حسن بشير أكثر من بحث علمي: إنها دعوة صريحة لأن يغادر العلم القاعات ليسكن الشارع، حيث تُصنع الوقاية الحقيقية.










