في زحمة الأيام التي لا تهدأ، وثقل المهل الكثيفة التي تطحن في طريقها أصفى اللحظات، تمرّ بالنفس حالاتٌ من الذهول القسري. يجد الإنسان نفسه مسحوقاً تحت عجلة الالتزامات اليومية، يركض ليدفع عن يومه غائلة التعب، وفي أثنائها تترسب التفاصيل الرقيقة في قاع الذاكرة، منتظرة لحظة هدوءٍ قد لا تأتي سريعاً.
وأشدّ ما يرهق الروح في هذه الدوامة، ليس فقط وطأة السعي، بل تلك المسافات التي تتشكل رغماً عنا بيننا وبين أرواحٍ كان الوصل بها ريّاً وطمأنينة.
ثمة غصةٌ تقع في القلب حين يساء فهمَ الإرهاق. يظن الأحباء أن الصمت اختيار، وأن قلة اللقاء استغناء، فيسحبون حبال الوصل ببطءٍ موجع، ويبدأون بالانسحاب المحمّل بالعتاب. ينزوون في عزلهم وهم يعتقدون أن مكانتهم قد تضاءلت، أو أن صفو الودّ قد كدّره نسيان… وما أبعد هذا التأويل عن سريرة المنهَكين!
ما لا يدركه المنسحبون عاتبين، أنهم في حقيقة الأمر اللطافةُ الوحيدة المتبقية في هذا العالم الجاف. هم السرّ الذي يستند عليه المرءُ ليواصل الوقوف في وجه الطاحونة، والفكْرةُ الدافئة التي تُمَرَّر على الخاطر في أشد ساعات النهار ضراوة لتُهَوّن مرارته. لا يبتعد الإنسان عن أعزائه لأنهم قَلّوا في عينيه، بل لأنه يُصارع لوقتاً كافياً ليعود إليهم بملامح تُشبههم، لا بهيئة مَن خرج للتوّ من حطام معركة.
إنها مفارقة مؤلمة مفارقة الشوق حين يخنقه الزحام حيث يصبح الذين نُحبهم هم الأمل الذي يُبقينا على قيد الاستمرار، في الوقت ذاته الذي نغدو فيه في أعينهم –بسبب هذا الجهد نفسه– كمن نسيَ أو قسا.
رحم الله كل نفسٍ تُصارع أثقالها في صمت، ولله درُّ أولئك الذين يملكون من عمق الفهم ما يجعلم يلمسون المودة خلف ركام الانشغال، فلا يزيدون ثقل الأيام عتاباً، بل يبقون كما هم… المرفأ الذي نعود إليه كلما تعبت منّا الطريق ، لنهمس في سرّنا بما قاله نزار يوماً:
«جئتكِ من كلّ منافي العمر..
أنامُ على نفسي من تعبي»








