من أكتوبر الوردي إلى ذاكرة أختي إخلاص
<صحيحٌ أن الملاريا، في السودان، تحصد من الأرواح ما قد يفوق ما يحصده السرطان، لكن للسرطان رهبةً أخرى، رهبةً تتجاوز أرقام الوفيات وإحصاءاتها، لتستقر في أعماق النفس البشرية، وتوقظ فيها أكثر المخاوف بدائيةً ووحشة. ولعل ذلك لأنه مرضٌ لم يترك، في الغالب، أسرةً إلا طرق بابها، ولا مجتمعاً إلا ألقى بظلاله الثقيلة على بعض أهله، ولا قلباً إلا عرّفه معنى أن ترى عزيزاً يتنازعه الألم، وأن تقف أمام وجعه عاجزاً إلا من الدعاء والرجاء.
للحقيقة أوشك أكتوبر الوردي ، شهر التوعية بسرطان الثدي، على الرحيل، وقد قاومت جاهدة ان اغوص في التفكير فيه ولكني برغمي أستعيد أيامه بذاكرة مختلفة تماماً؛ ذاكرة امرأة لم تكتفِ بمتابعة رسائل التوعية، بل سعت إلى نشرها بالكتابة، وتصميم الملصقات التوعوية، وإعداد مقاطع الفيديو القصيرة، إيماناً منها بأهمية الفحص المبكر، وبأن الوعي قد يكون، في لحظة فارقة، جسراً بين الخوف والنجاة.
كن، كما يقول المثل الشعبي: «اللي في البر عوام»!
فما أسهل أن نمنح الآخرين النصائح، وأن نكتب عن الشجاعة، وأن نحث الناس على المبادرة إلى الفحص، حين نكون نحن خارج دائرة الاحتمال. وما أصعب أن تتحول الكلمات التي طالما كتبناها للآخرين إلى مرآة نواجه فيها أنفسنا، حين يطرق الخوف بابنا، ويصبح ما كنا نتحدث عنه قضيةً تخص أجسادنا، ومستقبلنا، وأحلامنا الصغيرة التي لم تكتمل بعد.
في ايام مضت فيه قبل بضعة سنوات ، فوجئت بكتلة صغيرة. لم تكن كبيرة، ولم تكن تحمل في ظاهرها ما يبرر كل ذلك الاضطراب، لكنها كانت كافية لتفتح في داخلي أبواباً واسعة من الهواجس، وتستدعي من عتمة الذاكرة كل الحكايات التي تمنيت لو أنني لم أسمعها، وكل النهايات التي تمنيت لو أنها لا تخصني.
بدأت رحلة القلق.
قلقٌ لم يدفعني إلى الطبيب، كما يفترض أن يحدث، بل جعلني أتهرب منه. كنت أؤجل الفحص، وأختلق لنفسي أسباباً للبقاء بعيداً عن الإجابة، وأمارس نوعاً من الإنكار المتعمد، كأن تجاهل الكتلة قادر على إلغائها، وكأن ما لا نواجهه لا يمكن أن يكون موجوداً. كنت أفكر في كل شيء إلا نفسي، وأجد في الانشغال بالآخرين وبأمور الحياة اليومية فسحةً مؤقتة أختبئ فيها من السؤال الذي كان يكبر في داخلي كلما حاولت إسكاتَه.
غير أن الخوف، مهما أحسنا إخفاءه في وضح النهار، يعرف طريقه إلينا حين نأوي إلى أسرّتنا.
هناك، حين تخفت الأصوات، وتنطفئ الأنوار، وتنسحب مشاغل النهار واحداً تلو الآخر، يتقدم ما هربنا منه، ويجلس قبالتنا بلا استئذان. تتزاحم الأفكار، وتتوالد الاحتمالات السوداء، ويصبح الصمت أكثر ضجيجاً من كل ما حولنا. يتصبب العرق، ويخفق القلب، ويمضي العقل في رسم نهايات لم تقع، لكنه يتعامل معها كما لو أنها باتت وشيكة.
وفي تلك اللحظات، لا يعود الإنسان كما كان قبل دقائق. يصبح أسير احتمال، رهينة سؤال، ومتهماً في محكمة لا يعرف قضاتها، ولا يملك تأجيل جلساتها، ولا يستطيع إقناع نفسه بأن الحكم لم يصدر بعد.
ومع ذلك، كانت رحمة الله تتسلل إليّ من شقوق الخوف.
أحياناً، كانت تداهمني ذكرى بعيدة من طفولتي؛ لقطة صغيرة، أو مشهد عابر، أو إحساس دافئ لم أكن أعلم أنني ما زلت أحتفظ به في مكان ما من روحي. كانت الذكرى تأتي كيدٍ حانية تربت على كتفي، وكأن طفلة الأمس تنهض من أعماق الزمن لتحتضن امرأة اليوم، وتقول لها إن الحياة ليست كلها هذا الخوف. فأهدأ قليلاً، ويغلبني النوم، ولو إلى حين.
وكنت أفكر أحياناً في أولئك الذين يسيرون نحو مقصلة أو حبل مشنقة، وأتساءل: أيمكن للإنسان، وهو يقترب من النهاية التي يعرفها، أن ينشغل بكل شيء في العالم إلا بها؟ أيمكن للعقل أن يبتكر لنفسه منافذ صغيرة يهرب منها، حتى حين تضيق أمامه الطرق؟ ربما كان التشبث بتفاصيل الحياة، واستدعاء الذكريات، والتعلق بأصغر الأشياء، بعض ما يفعله الإنسان كي يؤجل مواجهة ما يخشاه، أو كي يمنح روحه فرصةً أخرى للتنفس.
لكن الخوف لم يكن محصوراً في سؤال المرض وحده؛ فقد كان يتسلل إلى المستقبل الذي أحب، إلى السنوات التي تمنيت أن أعيشها، وإلى تفاصيل بدت لي، قبل هذه التجربة، أموراً عادية ومضمونة.
ماذا لو لم أكن هناك يوم زواج أبنائي؟
ماذا لو لم أحمل أحفادي بين ذراعيّ، ولم أسمع ضحكاتهم تملأ البيت، ولم أكن شاهدةً على حكاياتهم الأولى وهم يكبرون؟
يا لقسوة أن يختطف الخوف من الإنسان مستقبله قبل أن يحدث، وأن يجعله يودع أحلامه وهي ما تزال في طور التمني!
كنت أغرق في تعاسة لا أجد لها مخرجاً، وأبكي حتى تبتل مخدتي، ثم أظل أراقب انبلاج الصباح بعينين أنهكهما السهر. ولم يكن أحد يعلم ما يدور في داخلي. كنت أحمل هذا الهم وحدي، وأقاومه وحدي، وأخفي ارتجافي خلف ملامح الحياة المعتادة، كأن الاعتراف بالخوف سيجعله أكثر حقيقة، أو كأن الصمت يمكن أن يحميني من الاحتمال الذي أخشاه.
وذلك، في تقديري اليوم، كان خطئي الكبير.
حين أثقلني الأمر، ولم أعد قادرةً على حمله في صمت، صارحت أمي.
وأيُّ أمٍّ تلك التي تسمع خوف ابنتها ثم تتركها أسيرةً له؟!
<span;>لم تترك لي أمي مجالاً واسعاً للمراوغة. ضغطت عليّ، وأخذت بيدي، وحملتني حملاً إلى الطبيب، كأنها تنتزعني من قبضة وهمٍ كاد يستنزف روحي قبل أن أعرف حقيقة ما يجري في جسدي.
ذهبت وأنا أقدم خطوةً وأؤخر خطوتين؛ أتقدم بجسدي، بينما يظل قلبي عالقاً في مكانه، يتشبث بالخوف ويخشى الإجابة. كنت أريد أن أعرف، وأخاف أن أعرف في الوقت نفسه. تلك المفارقة الموجعة التي تجعل الإنسان يقف على عتبة الحقيقة، راغباً في فتح الباب، مرتعباً مما قد يجده خلفه.
ثم جاءت النتيجة.
سلبية.
يا الله!
كم تتسع الدنيا في لحظة، وكم يعود الهواء خفيفاً إلى الصدر بعد أن كان ثقيلاً كالحجر! كيف يمكن لكلمة واحدة أن تعيد ترتيب الفوضى التي أحدثتها أيام من الهواجس؟ وكيف ينقلب الانتظار الذي استنزف الروح إلى حمدٍ لا تسعه العبارة، ولا تحيط به الكلمات؟
الحمد لله، وله المنة والفضل. حمداً يعجز لساني عن الوفاء بحقه، وتضيق اللغة عن حمله؛ حمداً أود لو أنني أستطيع أن أبثه في كل خلية من خلايا جسدي، وفي كل مسام من مسامي، وفي كل نبضة عادت إلى إيقاعها الطبيعي بعد أن أرهقها الخوف.
لكنني، الان وانا استعيد ذكرى ذلك الارتياح يحس القلب بنغزة والفؤاد بغصة …لان هناك غالية تستوطن ذاكرتي، أختي الراحلة، أم التيمان، إخلاص.
تذكرتها، وتذكرت تلك الكتلة الصغيرة التي لم تمنحها، في بداياتها، ما يكفي من القلق. ربما مرّت عليها مرور العابر، وربما أقنعت نفسها بأنها لا تستحق كل ذلك الانتباه، وربما كان الإنكار، مثلما حدث معي، وسيلتها إلى التمسك بالأمل ومواصلة الحياة. لا أعرف على وجه اليقين ما الذي دار في نفسها يومها، لكنني أعرف أن بعضنا حين يخاف، لا يواجه خوفه بالضرورة؛ قد يختار أن ينظر بعيداً، وأن يتشبث بالحياة من خلال تجاهل ما يهددها.
غير أن ما ننكره لا ينتهي دائماً بإنكارنا له.
ذلك المرض الذي لم يأخذ في بدايته ما يستحقه من انتباه، مضى في طريقه، حتى تمكن من الجسد، وتغلغل في الأحشاء والعظام، وألقى بثقله على الفؤاد. وما بدأ كتلةً صغيرة انتهى حكايةً موجعة من الألم والصبر والمقاومة، حكايةً كان فيها من التحديات ما يفوق قدرة الكلمات على الإحاطة، ومن الجلد ما لا يعرف حقيقته إلا من عاشه أو وقف قريباً من صاحبه.
رحلت إخلاص، وبقيت سيرتها، وبقي وجع غيابها، وبقيت الأسئلة التي لا تعود الإجابة عنها ممكنة بعد أن يطوي الموت صفحة أصحابها.
واليوم، بعد تجربتي القصيرة مع الخوف، أجدني أنظر إلى حكايتها بعين أخرى. لقد عرفت، ولو لوقت محدود، كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تحتل مساحةً هائلة من الروح، وكيف يستطيع احتمال واحد أن يسرق النوم، ويبعثر الطمأنينة، ويجعل الإنسان يعيد حساب عمره وأحلامه وعلاقته بمن يحب. وعرفت أيضاً أن المرء قد يبدو ثابتاً أمام الناس، فيما تتهاوى داخله عوالم كاملة لا يراها أحد.
لكنني عرفت، قبل ذلك وبعده، أن الخوف ليس عدواً ننتصر عليه بالإنكار، وأن الأمل ليس أن نغمض أعيننا عن الحقيقة، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهتها. فالفحص لا يصنع المرض، والذهاب إلى الطبيب لا يستدعي المصيبة؛ إنما يمنحاننا فرصةً لنفهم ما يحدث، ونتصرف في الوقت المناسب. وليس كل ما نخشاه واقعاً، كما أن ما نرجو ألا يكون لا ينبغي أن نتركه بلا تحقق.
لهذا أكتب اليوم، لا من موقع الواعظة التي تعرف كيف تنصح الآخرين، بل من موقع امرأة اكتشفت، على نحو شخصي وموجع، أن الوعي الذي نمنحه للناس ينبغي أن نمنحه لأنفسنا أيضاً، وأن الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما ألا نسمح له بأن يحرمنا من الخطوة التي قد تنقذنا.
وأكتب لأنني لا أريد لامرأة أخرى أن تقضي لياليها في بكاء صامت، أو أن تواجه هواجسها وحدها، أو أن تؤجل زيارة الطبيب خشية إجابة لم تعرفها بعد. لا أريدها أن تترك الخوف يسرق منها أياماً من عمرها، ولا أن تحمل وحدها عبئاً يمكن أن يخفّ حين تتقاسمه مع أمٍّ حانية، أو أختٍ محبة، أو صديقة أمينة، أو طبيب تثق به.
وأكتب، قبل كل شيء، لأن أختي إخلاص ما زالت حاضرةً في قلبي، ولأن حكايتها، مهما أوجعتني، لا ينبغي أن تبقى مجرد ذكرى حزينة، بل أن تتحول إلى دعوة صادقة للانتباه، وإلى تذكير بأن أجسادنا أمانة، وأن تجاهل الألم لا يعني زواله، وأن المبادرة إلى الفحص قد تصنع فارقاً لا ندرك قيمته إلا حين نرى ما يمكن أن يحدث في غيابه.
رحمك الله يا إخلاص، يا أم التيمان.
اللهم إنك تعلم ما عانته، وما صبرت عليه، وما قاومت به من أوجاع وتحديات، وما أخفته من ألم خلف ما استطاعت من صبر وجلد. اللهم تقبل منها صبرها، واجعل كل لحظة وجع مرت بها رفعةً في درجاتها، وكل ما قاست كفارةً ورحمة، وأبدلها داراً خيراً من دارها، وحياةً خيراً من حياتها، واجعل الجنة مستقرها ومآبها، واجمعنا بها في مستقر رحمتك، حيث لا مرض ولا وجع ولا فراق.
أما أنا، فقد خرجت من هذه التجربة بنتيجة سلبية، لكنني خرجت منها أيضاً بمعرفة لم تكن لديّ من قبل: أن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى أن يختبر هشاشته كي يفهم هشاشة الآخرين، وأن النجاة ليست دائماً مجرد خبرٍ طبي مطمئن؛ قد تكون أيضاً فرصةً لمراجعة أنفسنا، وتصحيح ما أخطأنا فيه، والعودة إلى الحياة بقلوب أكثر امتناناً، وبصيرةً أكثر اتساعاً، ورحمةٍ أكبر بمن يخوضون معارك لا نراها.
فلا تؤجلوا الفحص خوفاً من النتيجة، ولا تواجهوا الخوف وحدكم.
فأحياناً، لا تكون الخطوة التي نخافها هي بداية الوجع، بل بداية الخلاص منه.









