أ.د.. جودة الله ابراهيم النور أستاذ القانون بجامعة الجزيرة
ليست هيبة الدول في جيوشها وحدها، بل في عيونها التي لا تنام. وتكشف مراجعة التشريعات الناظمة لأجهزة الأمن في العالم حقيقة راسخة: الأمن القومي لا يُحمى بتفويض منقوص، وإنما بمؤسسات تملك سندًا قانونيًا كاملًا يتيح لها المبادرة والاستباق ودرء الخطر قبل أن يقع.
تؤكد التطورات المتسارعة في المشهدين الإقليمي والدولي أن قوة الدول وهيبتها ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى كفاءة أجهزتها الاستخباراتية ومرونة صلاحياتها. إن قراءة حصيفة للقوانين المنظمة لعمل مؤسسات الأمن القومي عبر العالم تكشف حقيقة مجردة: الأمن القومي لا تُصان أركانه بأيدٍ مرتعشة أو تشريعات مكبلة، بل يتطلب مؤسسات تمتلك التفويض القانوني الكامل للتحرك الاستباقي، ودرء المخاطر قبل استفحالها.
إذا ما طالعنا تجارب القوى العظمى والإقليمية، نجد أن التفويض التنفيذي الواسع ليس استثناءً، بل هو الأصل الحاكم لعمل أجهزة المخابرات. فالولايات المتحدة تحمي مصالحها عبر ذراعيها النافذين: وكالة المخابرات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، بينما تحصّن بريطانيا وروسيا أمنهما الاستراتيجي بمؤسسات استخباراتية ذات نفوذ واسع وصلاحيات حاسمة. وعلى المستوى الإقليمي، تتحرك أجهزة كالمخابرات العامة المصرية والموساد بمرونة عالية وغطاء قانوني يمنحها القدرة على الردع وحماية الأمن القومي من أي مهددات عابرة للحدود.
وفي السياق السوداني، لا يمكن صياغة رؤية موضوعية لدور جهاز الأمن والمخابرات العامة بمعزل عن الهندسة الدستورية والأمنية للبلاد؛ إذ ترتكز المنظومة الأمنية تاريخياً على ثلاثة أضلاع متكاملة:
• القوات المسلحة: الضلع السيادي المعني بحماية الحدود وحراسة الدستور والدفاع عن ثغور الوطن.
• الشرطة:الضلع الشرطي المكلّف بمنع الجريمة ومكافحتها داخلياً لحماية المواطن وسيادة القانون.
• جهاز المخابرات العامة: الضلع الاستخباري الذي يكتمل به عقد الاستقرار الوطني، والمناَط به رصد وتفكيك المهددات المعقدة — سواء كانت اختراقات خارجية تستهدف السيادة، أو مخططات داخلية تمس النسيج الاجتماعي والسياسي.
تقتضي طبيعة التحديات الراهنة — من جريمة منظمة، وإرهاب عابر للحدود، وحرب معلومات — وجود عين ساهرة وقدرة على المناورة السريعة، وهو ما يستوجب بالضرورة توفير غطاء قانوني صلب يمنح الجهاز آليات الفحص والتحري والتحفظ الاستباقي لضمان سلامة الدولة ومؤسساتها.
غير أن هذه المؤسسة الوطنية تعرضت لانتكاسة جراء التجاذبات السياسية التي شابت الفترة الانتقالية؛ حيث أدى قرار حل “هيئة العمليات” إلى تجريد الجهاز من ذراعه التنفيذي الميداني، في خطوة أشبه بإيقاف شريان حياته النابض، مما ينبغي إعادة تقييمه في سياق المراجعات الاستراتيجية لشامل المنظومة الأمنية.
إن معركة المحافظة على بقاء الدولة وتماسكها تقتضي تجاوز الرؤى الضيقة، والتعامل مع صلاحيات جهاز المخابرات العامة بوصفها ضرورة أمنية وحاجة وطنية ملحة لا غنى عنها لصون السيادة وحماية مقدرات الأمة.









