00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • ذاكرة الرهد والقطن (1) : سلسلة توثيقية بقلم / فتح الرحمن الماحي
- عام

ذاكرة الرهد والقطن (1) : سلسلة توثيقية بقلم / فتح الرحمن الماحي

الحلقة الأولى: شرارة البداية.. المعركة الأولى لتحرير القطن مقدمة التوثيق:في زمنٍ تتلاطم فيه تجارب التنمية، وتغيب فيه الشواهد التوثيقية عن أدبيات الحركة الزراعية في السودان، تبرز شهادة الأستاذ فتح الرحمن الماحي—ضابط الشرطة المتقاعد، ورئيس منظمة القطن، وعضو اللجنة القومية للقطن—بوصفها وثيقة حية تعيد رسم ملامح النضال الميداني لمزارعي مشروع الرهد. إنها شهادة تُسجَّل للأجيال، لا […]

الحلقة الأولى:

شرارة البداية.. المعركة الأولى لتحرير القطن
مقدمة التوثيق:في زمنٍ تتلاطم فيه تجارب التنمية، وتغيب فيه الشواهد التوثيقية عن أدبيات الحركة الزراعية في السودان، تبرز شهادة الأستاذ فتح الرحمن الماحي—ضابط الشرطة المتقاعد، ورئيس منظمة القطن، وعضو اللجنة القومية للقطن—بوصفها وثيقة حية تعيد رسم ملامح النضال الميداني لمزارعي مشروع الرهد. إنها شهادة تُسجَّل للأجيال، لا لترصد الوقائع مجردةً فحسب، بل لتسبر غور التحول التاريخي نحو “الزراعة التعاقدية” وتحرير إرادة المزارع السوداني.
ذاكرة الرهد والقطن (1)

ساعة الصفر في «الفاو».. كيف صنعت المصادفة تاريخاً جديداً للقطن؟

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلي وأحبائي، أعزائي يمتد إليكم التقدير والمحبة؛ فمنكم نستمد القوة، وبكم نسعد ونعتز. ونحن إذ نرقب نهايات العمر ونستحضر شريطه الطويل، نجد أنه لم يعد يسعنا الصمت أو تجاوز ما اختزنته الذاكرة. كان لا بد من كتابة هذه السطور، نضعها بين يدي الأجيال القادمة، حكياً وسرداً وتوثيقاً أحيينا فيه ما غاب عن الأوراق الرسمية، لينتفع به كل من يتلمس طريق النهضة الزراعية في هذا البلد.
الليلة، نفتح صفحة مطوية من تاريخ مشروع الرهد الزراعي.. نحكي فيها قصتنا مع “الزراعة التعاقدية” وتحرير زراعة القطن، بنجاحاتها الصادحة، وصعوباتها الجسام، ومواقفها التي لم تخلُ من صرير السلاح ومواجهة النفوذ.

لقاء المصادفة عند «مصنع الثلج»

في عام 2006—أو ما يقاربه في الذاكرة—كنتُ قد تركت الخدمة الشرطية بعد استقالة تركتُ على أثرها رتبتي وحياتي العسكرية، مختاًراً الاستقرار في مدينة «الفاو» التي أحببتها وأحببت أهلها. كنت حينها أعمل متعهداً للحليج، وأمتلك حلاجة خارجية، وقد ربطتني بأهل الفاو أواصر مودة وثقة عميقة.
في ذلك اليوم، خرجتُ من داري الواقعة في قلب السوق قبالة «مصنع الثلج»، ترجّلي راجلاً نحو السوق. وفي الطريق، التقيتُ بكوكبة من شباب المزارعين النشطين والبارزين في المنطقة—أذكر منهم «الطائف»، و«البدوي»، ومعهم «الأستاذ أحمد» المشهور بمولانا أحمد المستشار الخاص بالتنظيمات، إلى جانب آخرين تغيب أسمائهم وتظل بصماتهم حية.
كان السيماء على وجوههم تشي بحيرةٍ وقلقٍ داكن. تبادلنا السلام والحديث، فسألتهم عما ألمّ بهم، لتنكشف لي تفاصيل أزمة زراعية وإدارية شائكة كانت تدور رحاها في أروقة البنك الزراعي.

أزمة «السلم» والمأزق في البنك الزراعي

كانت تلك المجموعة من أنشط المزارعين حسماً لعمليات الري والزراعة؛ إذ يتسابقون مع الزمن ليكون إنتاجهم مبكراً، فيبدأ قطاف القطن لديهم مع طلائع شهر أكتوبر من كل عام. وكان البنك الزراعي قد قام بتمويل زراعة القطن لموسم 2005 بناءً على توجيهات رسمية.
ومع حلول شهر أكتوبر، جمع المزارعون المحصول ونقلوه إلى نقطة التجميع (المحطة)، ثم توجهوا إلى مدير البنك الزراعي لترتيب سداد ما عليهم. غير أن المفاجأة تمثلت في رد المدير الذي وقف عاجزاً وهو يقول لهم صراحة:
«والله أنا ذاتي ما عارف أوديه وين!»
لقد تجسدت أزمة تسويق القطن بأبشع صورها. لم تكن هناك عقود «سلَم» مسبقة تُحدد الأسعار وتضمن المنافذ، ولم تكن ثمة جهة استلام محددة سوى المحالج التقليدية التابعة للأقطان، والتي لم تكن مهيأة لاستيعاب هذا الإنتاج أو تسويقه وفق معطيات السوق الناشئة.
قال لهم المدير بوضوح إن دور البنك كجهة تمويلية قد انتهى عند هذا الحد، وأنه لا يملك مخازن ولا آليات استيعاب للمحصول. بينما كان المزارعون واقعين تحت وطأة ديون سابقة، والتزامات مالية عاجلة للعمالة وللجهات الداعمة، وينتظرون مقابل جهدهم ليوفوا بعهودهم.
الرهان على الثقة.. صفقة بـ 24 ألفاً والشيك الشكلي
حين استمعتُ لطرحهم وعلمت أن قانون عام 2005 الصادر مؤخراً قد حرر القطن وأعطى المزارع الحق القانوني في التصرف بإنتاجه وتسويقه بحرية، سألتهم: — «ما الذي تحتاجونه تحديداً للخروج من هذه الخنقة؟» أجابوا بنبرة قاطعة: — «نحتاج فوراً إلى 24 ألف جنيه لسداد الالتزامات العاجلة للناس الذين يطالبوننا بالحقوق.»
قلتُ دون تردد: — «هذه الـ 24 ألفاً بين أيديكم.»
فوجئوا بالسرعة والجرأة، وسألوني بدهشة: — «وما هي ضماناتك؟» فأجبتهم بكلمات لا أزال أؤمن بها حتى اليوم:

«الضمان الحقيقي هو الثقة والكلمة.. ومتى ما فُقدت الثقة بين الرجال، أصبحت الضمانات الورقية مجرد قصة لا معنى لها!»

ومع ذلك، وأمام إصرارهم الأخلاقي على توثيق الحقوق، حرروا لي شيكاً بالمبلغ، وتوجهوا فوراً إلى محطة القطن لنقل المحصول إلى حلاجتي، لتبدأ بذلك أول معركة ميدانية في وجه الاحتكار القديم.

مواجهة الليل والعكاكيز في «محطة القطن»
ما إن شرع الشباب في شحن القطن على الجرارات التي أرسلتُها إلى المحطة، حتى اندلعت المواجهة. تحرك السيد «علي عبد الصادق»—وله منا كل التقدير والدعاء بالصحة إن كان حياً والمغفرة إن كان قد رحل—واتصل بسرعة بقيادات اتحاد المزارعين، وعلى رأسهم «الشوبلي» و«أحمد العربي»، ومعهم «ياسين» وطاقم إداري وأمني كامل.
خلال ساعات قليلة من حلكة الليل، تطوقت المحطة بمدير المشروع، وعناصر الأمن والشرطة، وقادة الاتحاد. أُوقفت عملية الشحن بالقوة الإدارية، وسادت المحطة حالة من التوتر الشديد.
تجمع شباب القرية وشباب المزارعين، وحمل كل طرف عصيه (“عكاكيزه”)، ووقف الجميع على خط تماس حرج. لم يكن الشباب في موقف المعتدي، بل كانوا يدافعون عن إرادتهم وعن صريح القانون، وارتفعت أصواتهم بثبات في وجه قيادات الاتحاد والشرطة:
«ماذا تريدون منا؟ لقد ذهبنا للبنك الزراعي وهو المموّل المباشر، والقطن الذي يغطّي التمويل وضعناه جانباً تحت تصرف البنك، أما هذا الفائض فهو عرقنا وحقنا الخالص بموجب القانون الجديد لعام 2005 الذي حرر المحصول.. سنصرف فيه كيفما نرى!»
أمام هذا الثبات الصلب، وأمام وضوح الحجة القانونية والعدالة الميدانية، انكسر جدار التعنت. تم تحميل القطن تحت عين الجميع، ووصل إلى المحلج، حيث جرى حليجه وترحيله بنجاح. وتلت تلك الشحنة شحنات أخرى، لُتفرض سياسة الأمر الواقع، وتُجبر الجهات الرسمية لاحقاً على وضع ضوابط تنظيمية تماشياً مع هذا التحول الكاسح.
لماذا حارب الاتحاد تحرير القطن؟
لم تكن معارضة اتحاد المزارعين لعملية تحرير القطن مجرد رأي إداري مخالف، بل كانت دفاعاً عن «إمبراطورية مكاسب» تهاوت أركانها.
كان الاتحاد يفرض اقتطاعاً إجبارياً عن كل قنطار قطن يُنتج في المشروع (مبالغ مالية مقدرة كانت تُخصم تلقائياً)، ناهيك عن احتكاره الكامل لعمليات رحلات الترحيل الشاقة من «الغيط» إلى المحالج، ومن ثم الترحيل الصادر إلى ميناء بورتسودان.. وهي عمليات كانت تدر أموالاً خيالية على متنفذي المنظومة القديمة.
كان تحرير القطن ينزع عن الاتحاد سلطته المالية والتنفيذية، ويُعيد القرار الأول والأخير للمزارع صاحب الأرض والعرق. ومن هنا، لم تكن أزمة عام 2006 مجرد شحنة قطن جرى نقلها على متن جرار.. بل كانت الشرارة الأولى التي أعلنت بداية عصر “الزراعة التعاقدية” في الرهد.
في الحلقة القادمة:كيف تحولت الفكرة إلى مشروع منظم في موسم 2007؟ وكيف واجه المزارعون تجريف 440 فداناً بالبلدوزرات في ملحمة عام 2010؟

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.