مشروع الجزيرة حكاية لا تنتهي. كل عام فصل جديد من الألم. إدارة لا تعرف اتجاه البوصلة، ومزارع يرمي البذور أملاً في موسم أفضل، ثم يتفاجأ بأن مياه الري لا تصل، فيبدأ رحلة البحث عن بوابير على حافة ترع فاتحة فاها للسماء.
يقولون إن الخريف تكميلي للجزيرة، وينسون أن المشروع صُمم للري الانسيابي، لا لانتظار السحاب.
واليوم يتكرر المشهد ذاته، إدارة المشروع تعلن أنها ضخت 33.5 مليون متر مكعب في قناتي الجزيرة والمناقل، ووزارة الزراعة والري تشكّل لجنة للوقوف على مناسيب خزان سنار، بينما يصرخ المزارع في شمال الجزيرة وأبوقوتة والمنسي من العطش. اللجنة تسمع تقرير الخزان، ولا تنزل إلى الغيط لترى الترع المطمورة بالحشائش وأبو عشرينات المردومة.
وهنا بدأ الخلل
منذ أن تم ضم إدارة الري وإلحاقها بإدارة مشروع الجزيرة، فقد المشروع أهم عناصره.
كان ري الجزيرة جهازاً هندسياً فنياً مستقلاً، يملك الكراكات والخبرة والانضباط، ومهمته الوحيدة ضبط المنسوب وتوصيل المياه إلى الحواشة. أما إدارة المشروع فهي إدارة زراعية متخصصة.
وعندما دُمج الاثنان حدث ما حدث
ماتت الصيانة الوقائية. كان التطهير يبدأ في ديسمبر وينتهي في أبريل، اليوم لا تتحرك الكراكة إلا بعد أن يعطش الزرع.
وتاهت المسؤولية. الخزان يقول المياه أُطلقت، والإدارة تقول لم تصل، والنتيجة خسائر بالجملة يدفعها المزارع وحده.
فانهارت خطة الري. لا مناوبة ولا دورة ولا منسوب. كل من هب ودب يفتح ويقفل على هواه.
الحل واضح ولا يحتاج اختراعا
، إعادة هيئة ري الجزيرة كجسم فني مستقل يتبع وزارة الري داخل المشروع، بآلياته وميزانيته، ويُحاسب على وصول الماء إلى الحواشة.
وضع خطة تطهير حقيقية تبدأ من الجمعيات التخصصية، بحصر دقيق للأطوال المطمورة قسماً قسماً، وتنفيذها قبل الموسم بشهرين على الأقل.
اضافة لتعميم تجربة قسم المنسي. امتلاك الجمعيات لآلياتها الخاصة هو الذي سيكسر احتكار المقاول المركزي وينهي سنوات الانتظار.
وهنا توضيح تاريخي يجب معرفته حيث
يخلط كثيرون بين قرارين مختلفين.
القرار التاريخي الذي بدأت به المشكلة هو قرار النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس المجلس الأعلى للنهضة الزراعية عام 2011، والقاضي بأيلولة إدارة عمليات الري لإدارة مشروع الجزيرة بدلاً عن وزارة الري والموارد المائية. وهو القرار الذي تسبب في تدهور الري لأنه تم دون تأهيل ودون انضمام مهندسي الري المتخصصين.
أما القرارات الجديدة بعد الحرب، فهي التي يتحدث عنها المزارعون اليوم فهي القرار رقم (139) من رئيس مجلس الوزراء بإنشاء إدارة خاصة بري مشروع الجزيرة تتبع إدارياً وفنياً لإدارة المشروع، والقرار رقم (173) الصادر بتاريخ 29-10-2025 من رئيس الوزراء د. كامل إدريس بتشكيل لجنة التسليم والتسلم بين وزارة الري وإدارة المشروع برئاسة محافظ المشروع لإنشاء وحدة مستقلة لإدارة الري،وهنا تكمن المشكلة الحقيقية التي من الصعب تجاوزها الان بعد أن فقدنا الموسم الصيفي ومن أمامنا الشتوي لنسمع لتلك الأصوات مابين راض ورافض.
(خمة نفس)
أعيدوا الري استقلاليته الفنية يعد مشروع الجزيرة رافدا اقتصاديا للوطن وإلا ستفقد كل شئ ونمد أيدينا للمساعدات الخارجية.
(خمة نفس)
جيش واحد.. شعب واحد..










