00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • عزيزة المعراج تكتب/ ابتسموا انتم في مدينة لا زالت تنتظر الطريق
- مقال اليوم

عزيزة المعراج تكتب/ ابتسموا انتم في مدينة لا زالت تنتظر الطريق

السادة الموظفون والعاملون في الأرض، يا من أفنيتم أعماركم في انتظار المرتبات، وأضعتم ساعات العمر في صفوف الوقود، وتعلّقت أحلامكم بوعود الطرق المسفلتة؛ ما رأيكم أن نعيد النظر في أولوياتنا الوطنية، ونضع الحمار في صدارة مشروع النهضة الشامل؟! لقد حان الوقت لنعلن بصوتٍ هادئ وشجاعةٍ لا تفتقر إلى السخرية: كفى حرثاً في بحر الحداثة الوهمية، […]

السادة الموظفون والعاملون في الأرض، يا من أفنيتم أعماركم في انتظار المرتبات، وأضعتم ساعات العمر في صفوف الوقود، وتعلّقت أحلامكم بوعود الطرق المسفلتة؛ ما رأيكم أن نعيد النظر في أولوياتنا الوطنية، ونضع الحمار في صدارة مشروع النهضة الشامل؟!

لقد حان الوقت لنعلن بصوتٍ هادئ وشجاعةٍ لا تفتقر إلى السخرية: كفى حرثاً في بحر الحداثة الوهمية، ولنجعل “الحمار”.. نعم، الحمار بكامل هيبته ووقاره البيولوجي والصمودي.. هدفنا المنشود، وأيقونة خططنا الخماسية القادمة في ديوان الخدمة المدنية!

أقول هذا وفي ذهني تلك اللافتة التي تستقبلك عند مدخل ود مدني، وتدعوك إلى الابتسام بعبارة: «ابتسم، أنت في مدينة ود مدني». وللحقيقة، لا أدري أهي دعوة للابتسام أم اختبار لقدرتنا على السخرية من أنفسنا؛ فالمدينة التي كانت يومًا عنوانًا للحياة والحركة، باتت في مواضع كثيرة تُذكّرك بأن المسافة بين المدينة والقرية ليست في اللافتات، وإنما في الخدمات والطرق والمرافق التي تجعل المكان جديرًا باسم المدينة. وربما كانت اللافتة آخر مشروع مكتمل في المدينة: كُتبت، وثُبّتت، وتؤدي وظيفتها بلا لجنة طوارئ!
وحتى لا نتهم بالمبالغة، فلننظر إلى شوارعنا التي لم تعد طرقًا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما مسارات لاجتياز الحفر والمطبات والمستنقعات، تتخللها بقايا ذاكرة أسفلتية من ماضٍ تليد. هنا حفرة تصلح خزانًا مائيًا، وهناك مستنقع يتهيأ لاستقبال موسم الهجرة إلى المجهول، وبينهما مركبة تحاول النجاة بأعصاب سائقها وما تبقى من قطع غيارها. أما المواطن، فقد صار يعرف الطريق بعدد الحفر لا بأسماء الشوارع.
أما السفلتة، فقد أصبحت وعدًا وطنيًا طويل العمر، يتجدد في التصريحات، ويترعرع في الأخبار، ويتغذى على صبر المواطنين. نسمعه حتى ليخيّل إلينا أن الأسفلت ليس مادةً لإنشاء الطرق، وإنما مشروع وجداني يستهدف رفع الروح المعنوية للجماهير! وربما كان الأسفلت قد وصل فعلًا، لكنه ضلّ الطريق، أو علق في صف الوقود، أو ينتظر اعتمادًا من لجنة تبحث في جدوى وجوده.
ولأننا شعب لا تنقصه القدرة على الاحتمال، فقد أضفنا إلى امتحان الطرق امتحان الوقود. تمتد الصفوف كأنها حدود جغرافية جديدة، يصطف فيها المواطنون بالكيلومترات، ينام بعضهم على أمل التعبئة، ويستيقظون على أمل أن يتحرك الصف بضعة أمتار. وفي النهاية، قد يعود المرء إلى منزله وقد أنجز مهمة الانتظار بنجاح باهر، دون أن ينجز مهمة الحصول على الوقود! إنها إنجازات وطنية من نوع جديد: لا وقود، لكن خبرة ميدانية في الوقوف.
وهنا، أليس من الحكمة أن نعيد اكتشاف الحمار؟
لا يحتاج إلى محطة وقود، ولا يهددنا سعر لتره في السوق الموازي، ولا يتأثر أداؤه بارتفاع سعر الدولار، ولا يتطلب استيراد قطع غيار من وراء البحار. إنه مشروع وطني مكتمل المواصفات، يعمل بالطاقة العشبية، ويتحمل المطبات، ويجيد التعامل مع الطرق الوعرة، ولا يطالبنا بتفسير أسباب تأخر الأسفلت منذ آخر تصريح رسمي. بل إنه، بخلاف بعض المشاريع، يصل إلى وجهته دون أن يحتاج إلى تدشين رسمي أو شريط افتتاح.
لكن، مهلاً! لا تظنوا أن امتلاك حمار أمرٌ في متناول كل موظف؛ فنحن في السودان لا نشتري حتى الحمار إلا بعد دراسة جدوى، وتشكيل لجنة عليا، وأخرى فنية، ولجنة فرعية لمراجعة توصيات اللجنة الفنية، ثم الاستعانة بصديق مغترب يتولى توفير التمويل الأولي، على أن يُبحث لاحقًا أمر السداد وفقًا لمتغيرات سعر الصرف. وقد تنتهي الدراسة إلى أن الحمار غير مستوفٍ لشروط النهضة، فتُحال المسألة إلى لجنة جديدة لدراسة أسباب فشل اللجنة الأولى.
وإذا نجحنا في توفير ثمن الحمار، تبدأ المرحلة الثانية من المشروع: مرحلة ما بعد الشراء!
فالحمار، مثل أي مشروع تنموي محترم، يحتاج إلى مدخلات إنتاج. لا بد من العلف، ومكان للإيواء، ورعاية يومية، وربما تأمين ضد المخاطر. وقد نضطر إلى استحداث إدارة عامة لشؤون الحمير، تتبع لها إدارة للتغذية، ووحدة للصحة البيطرية، وقسم للتخطيط الاستراتيجي، وإدارة للعلاقات العامة تتولى الرد على الشائعات التي تستهدف المشروع. ثم تُنشأ مفوضية مستقلة لمراقبة أداء الإدارات، ومجلس أعلى لتنسيق عمل المفوضية، حتى لا يظل الحمار بلا حوكمة.
أما العلف، فلا أظنه سيشكل عقبة كبيرة؛ فشوارع ود مدني باتت تزخر بالحشائش والأعشاب، حتى إنك لتشعر أحيانًا أن الطبيعة قررت تعويضنا عن الحدائق الغائبة والمساحات الخضراء، ولكن بطريقتها الخاصة. ترعى الأبقار في بعض المواضع، وتجد الأعشاب فرصتها للنمو، فلماذا نحرم حميرنا من هذه الوفرة النباتية؟! لقد فشلت الخدمات في إزالة الحشائش، لكنها نجحت، دون قصد، في تأسيس قطاع رعوي حضري.
يمكن أن نطلق مبادرة «كل شارع مرعى»، ونحوّل المساحات التي عجزت الخدمات عن استعادتها إلى مراعي مفتوحة، فتتحقق الاستدامة البيئية، ونخفض كلفة النقل، ونوفر فرص عمل في الرعي، ونحقق الاكتفاء الذاتي من وسائل الحركة. وبذلك نكون قد جمعنا بين الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، دون الحاجة إلى مؤتمر دولي أو خبير أجنبي يشرح لنا كيف نأكل مما نزرع! يكفي أن نترك الشارع كما هو، ثم نعلن أن الفوضى خطة بيئية طويلة الأجل.
تبقى مسألة الأسرة، وهي تفصيل صغير في نظر المخططين الكبار، لكنه مهم جدًا في الحياة اليومية. فكيف سيذهب الموظف إلى العمل، ويقضي احتياجات المنزل، وينقل أبناءه، ويتعامل مع طوارئ الحياة؟ هل نشتري حمارًا آخر للأسرة؟ أم نخصص عربة مشتركة، ويكون استخدامها بنظام الحجز الإلكتروني، مع مراعاة أسبقية الطلبات والحالات الإنسانية؟ وربما نطلق تطبيقًا ذكيًا باسم «حمّارني»، يتعطل عند أول تحديث، ثم تُشكّل لجنة للتحقيق في أسباب العطل.
ولعلنا نحتاج إلى وزارة جديدة تسمى وزارة النقل الحماري، تتولى تنظيم حركة الحمير في الطرق، وتحديد مساراتها، ومنح التراخيص، وإصدار اللوحات المعدنية، مع إنشاء معهد قومي لتدريب الحمير على قواعد المرور، حتى لا تتسبب في اختناقات مرورية جديدة فوق اختناقاتنا القديمة. وستحتاج الوزارة بدورها إلى مبنى، والمبنى إلى ميزانية، والميزانية إلى اعتماد، والاعتماد إلى لجنة، وهكذا يصبح الحمار أول مشروع ينجح في خلق جهاز حكومي كامل قبل أن يقطع أول شارع.
وقد نختلف حول اسم المشروع، لكنني أقترح أن يكون «العودة إلى المستقبل»، فليس من الضروري أن نتقدم إلى الأمام حتى نبلغ المستقبل؛ يمكننا، في ظروف استثنائية، أن نصل إليه ونحن نتراجع إلى الخلف! وربما نكتشف أن المستقبل نفسه كان ينتظرنا في الماضي، لكننا تأخرنا عنه بسبب الحفر.
ومع ذلك، فإنني أخشى أن نفشل حتى في هذا المشروع؛ فربما ترتفع أسعار الحمير بمجرد الإعلان عن المبادرة، ويدخل المضاربون على الخط، ويحتكر التجار المعروض، ثم نسمع عن أزمة في الحمير، وصفوف أمام أسواقها، ووعود حكومية باستيراد دفعات جديدة لسد الفجوة بين العرض والطلب. وقد يظهر سوق موازٍ للحمير، وسعر رسمي وآخر شعبي، ثم يُطلب من المواطن أن يثبت حاجته إلى حمار قبل أن يُسمح له بالشراء.
وربما نضطر حينها إلى إطلاق مشروع «حمار لكل حمار»، لتكتمل دورة التنمية، ويصبح لكل أزمة مشروع، ولكل مشروع لجنة، ولكل لجنة تقرير يوصي بمزيد من اللجان. وفي النهاية، قد يحصل كل حمار على لجنة تتابع شؤونه، بينما يظل المواطن بلا طريق يتابع شؤونه.
يا سادتي، ليست المشكلة في الحمار، ولا في السيارة، ولا في وسيلة النقل التي نختارها؛ المشكلة في أن يصبح التراجع واقعًا نتكيف معه بدلًا من أن يكون خللًا نسعى إلى إصلاحه. ليست السخرية من الحمير، فهي مخلوقات تؤدي وظيفتها بكفاءة تستحق التقدير، وإنما السخرية من واقع يدفع المواطن إلى التفكير في العودة إلى وسائل قديمة، لا حبًا فيها، بل يأسًا من بدائل يفترض أن تكون أفضل. فالحمار، على الأقل، واضح في وعوده: لا يعلن عن طريق سريع ثم يتركك في حفرة.
إننا لا نريد أن نرى موظفًا يحمل همّ الوقود قبل أن يحمل همّ عمله، ولا عاملًا يستهلك نصف عمره في الطريق إلى موقع إنتاجه، ولا مواطنًا يبتسم للافتة المدينة بينما يفاوض حفرةً على سلامة مركبته. لا نريد أن تتحول الرحلة إلى العمل إلى بطولة يومية، ولا أن يصبح الوصول سالمًا إنجازًا يستحق التكريم.
نريد طرقًا تليق بالمدن، ومواصلات تحفظ كرامة الناس، وخدمات تجعل الابتسام فعلًا طبيعيًا لا تمرينًا على إخفاء الوجع. نريد مسؤولًا يشرح لماذا تأخر الطريق، لا مسؤولًا يطلب منا الإعجاب بالصبر الذي أبديناه أثناء انتظاره.
وإلى أن يتحقق ذلك، دعونا نحتفظ بمشروع الحمار على الرف؛ فقد نحتاج إليه يومًا بوصفه شاهدًا على زمنٍ كان فيه المواطن يحلم بطريق معبّد، فإذا به يضطر إلى التفكير في حمارٍ يستطيع عبور الطريق! وربما يأتي يوم يصبح فيه الحمار رمزًا للتخطيط الواقعي، بينما تظل الخطط الرسمية تحلق في فضاء لا تصل إليه حتى الحمير.
أما شعار «ابتسم، أنت في مدينة ود مدني»، فأقترح أن نضيف إليه عبارة صغيرة: «ابتسم.. فالأسفلت في الطريق، ولو طال الطريق!»

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.