00249117741972

info@waadelgezira.com

السودان

  • Home  
  • عزيزة المعراج تكتب / العزة بالإثم.. حين يصبح الإنسان سجين صورته عن نفسه
- مقال اليوم

عزيزة المعراج تكتب / العزة بالإثم.. حين يصبح الإنسان سجين صورته عن نفسه

  يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الكهف: 103–104. ربما لا تكون الخسارة الكبرى أن تخسر مالاً، أو منصباً، أو معركة، أو طريقاً ظننته يوماً طريقك إلى النجاح. الخسارة الأكثر فداحة أن تخسر بصيرتك وأنت تظن أنك على حق. أن […]

 

يقول الحق سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

الكهف: 103–104.

ربما لا تكون الخسارة الكبرى أن تخسر مالاً، أو منصباً، أو معركة، أو طريقاً ظننته يوماً طريقك إلى النجاح.

الخسارة الأكثر فداحة أن تخسر بصيرتك وأنت تظن أنك على حق.

أن تمضي في الطريق الخطأ، لا لأنك تجهل الطريق، وإنما لأنك أقنعت نفسك أن طريقك هو الطريق الوحيد الممكن. وأن تدافع عن فكرة لم تعد تؤمن بها في أعماقك، فقط لأن التراجع عنها سيجبرك على الاعتراف بأنك أخطأت.

وهنا تبدأ المأساة.

فالإنسان لا يُفتن دائماً بما يملك من مال أو سلطة أو ألقاب، أحياناً يُفتن بصورة صنعها عن نفسه، ثم يصدقها حتى تصبح سجناً لا يرى العالم إلا من خلف قضبانه.

يقول في داخله: هذا لي. وهذا حقي. وهذا ما أستحقه.

ثم يبلغ به الوهم أن يظن أنه، حتى إن أُعيد إلى ربه، فله عنده الحسنى.

وحين تستقر هذه الصورة في النفس، يصبح الاعتراف بالخطأ أشبه بالهزيمة، والنقد إهانة، والمراجعة انكساراً، والاعتذار انتقاصاً من المقام.

وهكذا لا يعود الإنسان يدافع عن الفكرة، وإنما يدافع عن صورته عن نفسه.

وهنا تكمن الخطورة.

فكم من إنسان هدم علاقة لأنه لم يحتمل أن يقول: أخطأت.

وكم من مسؤول أضاع مؤسسة لأنه رأى في التراجع عن قراره سقوطاً لهيبته.

وكم من صاحب رأي أصر على موقفه، لا لأن الأدلة معه، بل لأن كبرياءه لم يسمح له أن يكون مع الأدلة.

وقد يهدم المرء عدلاً كاملاً حتى لا يهدم صورة صغيرة صنعها عن ذاته.

ذلك هو أحد أوجه العزة بالإثم؛ أن يعرف الإنسان في قرارة نفسه أن شيئاً ما يحتاج إلى مراجعة، ثم يختار المكابرة، لأن التراجع أثقل على نفسه من استمرار الخطأ.

والمسكين في هذه الحالة ليس من خسر معركة مع الآخرين، وإنما من خسر معركته مع نفسه.

فأصعب خصم للإنسان ليس خصمه الذي يقف أمامه، بل ذلك الصوت المختبئ في داخله … صوت الهوى، والكِبر، والتعصب، وحب الظهور، والرغبة في الانتصار ولو على حساب الحقيقة.

ولهذا فإن معرفة الإنسان لنفسه لا تبدأ حين يعدد فضائله، ولا حين يسمع المديح، ولا حين يكتشف نقاط قوته.

إنما تبدأ حين يستطيع أن يقف أمام نفسه بلا زينة.

حين يقول: ربما أخطأت.

حين يستطيع أن يسمع رأياً يخالفه دون أن يشعر أن وجوده مهدد.

حين يعتذر دون أن يعتبر الاعتذار هزيمة.

حين يتراجع عن فكرة اكتشف فسادها، دون أن يظل أسيراً لها لأن الناس يعرفونه بها.

وحين ينتصر على هواه قبل أن يحاول الانتصار على الآخرين.

هناك فقط تبدأ معرفة الذات.

أما من لم يستطع أن يهزم كبره، فكيف يزعم أنه عرف نفسه؟

ومن لم يستطع أن يتحرر من تعصبه، فكيف يتحدث عن الحرية؟

ومن جعل رأيه ميزاناً للحقيقة، فكيف سيعرف الحقيقة إذا جاءت مخالفة لرأيه؟

نحن في السودان بحاجة إلى شجاعة من نوع آخر.

لسنا بحاجة فقط إلى الشجاعة التي تجعل الرجل يقف في وجه خصمه ، فهذه قد يمتلكها كثيرون.

نحن بحاجة إلى شجاعة أن يقف الإنسان في وجه نفسه.

شجاعة أن يقول: أخطأت.

شجاعة أن يعترف بأن من خالفه قد يكون على صواب.

شجاعة أن يتخلى عن امتياز اعتاده، أو موقف تشبث به، أو صورة رسمها لنفسه ثم اكتشف أنها ليست الحقيقة.

ولعل جانباً كبيراً من أزماتنا اليوم يعود إلى أننا نعيش بين شخصيات أسيرة لتصوراتها عن ذاتها.

في البيوت، يتحول الأب أحياناً إلى أسير لسلطته، فلا يسمع أبناءه.

وفي مؤسسات العمل، يتحول المنصب إلى جدار يحجب صاحبه عن النقد والمراجعة.

وفي المجتمع، تتحول المكانة أو العمر أو الخبرة إلى حصانة وهمية ضد الخطأ.

أما في السياسة، فالمسألة أشد خطراً.

هناك، حين تستولي العزة بالإثم على القرار، لا تكون كلفة المكابرة جملة قاسية أو علاقة مهدرة فحسب؛ قد تكون وطناً يتعب، وشعباً يدفع الثمن، وأجيالاً كاملة ترث آثار قرارات كان يمكن إصلاحها بكلمة واحدة: أخطأنا.

 

وعد الجزيرة

هي صحيفة إلكترونية شاملة، تنطلق من قلب ولاية الجزيرة لتكون منبراً إعلامياً حراً، ونبضاً صادقاً للشارع والمجتمع. نلتزم بتقديم صحافة حديثة، متطورة، وموضوعية تحترم عقل القارئ وتنقل الحقيقة بكل أمانة ودقة.

البريد  : info@waadelgezira.com

الهاتف: 00249117741972

وعد الجزيرة  @2027. جميع الحقوق محفوظة.