هيئة البحوث الزراعية بالنسبة إليّ ليست اسماً في سجل المؤسسات، ولا مبانيَ ترويها الوثائق، ولا مجرد محطة في تاريخ الزراعة السودانية، بل كانت وطني الصغير والدافئ؛ عرفتها بعيني طفلةٍ كان أبوها أحد العاملين في هذا الصرح العلمي التاريخي، ابنةُ أحد رجاله الأوفياء الذين غرسوا عمرهم بين غيطانه وترابه وشجره.
هناك، تحت أفيائها الشامخة نشأت، وبين ميادينها العامرة تنقّلتُ صغيرةً أطارد الفراش، وأقف حائرةً أمام أجنحة الزهور تتفتح كل صباح بألوانٍ لم أجد لها اسماً. واستظللتُ بأشجارها الباسقة الوارفة، التي بدا لي ظلّها يومها أوسع من الدنيا. وكم وقفتُ مسمّرةً أمام الطيور المصبرة، أتأمل ريشها الساكن وعيونها الزجاجية، وأسأل نفسي كيف يُمسك العلمُ الحياةَ لحظةً ليعلّمنا منها!
كنتُ أحسب يومها أن كل الدنيا هكذا: حدائق وعلماء وبذور. ولم أدرك إلا حين كبرتُ أن ذلك الصرح لم يكن مكاناً لعمل أبي فحسب، بل كان مدرستي الأولى في معنى الوطن حين يُبنى بالعلم والصبر. ولذلك فإن ما أكتبه اليوم ليس مقالاً عن مؤسسة، بل وفاءٌ لبيتٍ ثانٍ كبرتُ في ظلاله، وغضبٌ مشروع على ما آل إليه حاله.
ولم تكن تلك الظلال مجرد حدائق غنّاء، بل كانت خصبة بالمعرفة والسيادة الوطنية؛ فعلى مدى عقود، قدّمت هيئة البحوث الزراعية خدمات جليلة في صمت: استنبطت أصنافاً جديدة من القطن والذرة الرفيعة والسمسم والدخن، وطوّرت سلالات الفواكه والخضروات، وصولاً إلى تقنيات زراعة الأنسجة. والأهم من ذلك، أنها كانت الحارس الأمين للأصول الوراثية السودانية، و”دار الوثائق” للنسخ الأصلية من كل محصول.
ثمة مؤسسات يمكن أن تهدمها الحرب، ثم تُبنى من جديد بالحجر والحديد والمال. وثمة مؤسسات إذا طالها الخراب، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد المباني المدمرة أو المعامل المحترقة، لأن ما يتعرض للتلف فيها هو شيء أكثر عمقاً: ذاكرة أمة، وخبرتها، وقدرتها على صناعة مستقبلها. وهيئة البحوث الزراعية واحدة من هذه المؤسسات.
لقد استهدفت حرب المليشيا الهيئة في صميمها ومقوّمات وجودها: تدمير كامل لمقرّ الرئاسة في ودمدني، تخريب معامل مركز الموارد الوراثية وبنوك الجينات، نهب حواسيب تحمل قواعد بيانات بحثية عقوداً من الزمن، وإتلاف حقول تجارب تاريخية في سوبا وشمبات والجزيرة وسنار. فحين تُحرق حقول التجارب، لا تحترق نباتات فحسب، بل تحترق سنوات من النتائج المتراكمة. وحين يتشتت العلماء والباحثون بين النزوح والهجرة -تاركين وراءهم ذكريات أطفالٍ نشأت بين أزهارها، وقلوبَ تعلّقت بظلال أشجارها- لا تفقد المؤسسة موظفين، بل تفقد جزءاً أصيلاً من عقلها العلمي.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: السودان الذي يبحث اليوم عن طريق للخروج من الحرب، ويضع الزراعة في مقدمة أبواب التعافي، يجد أن واحدة من أهم المؤسسات التي يفترض أن تقود هذا التعافي قد خرجت من الحرب مثقلة بالدمار، ومواردها العلمية في حاجة إلى إنقاذ عاجل. والمؤلم حقاً هو كيف تتدفق الامتيازات على قطاعات أخرى، بينما يظل الباحث الزراعي في الهيئة حبيس راتبٍ لا يكرّم جهد عالم، ولا يليق بحارسٍ للأمن الغذائي والسيادة الوراثية.
إن كنا جادين في البدايات الجديدة، فلا بد أن تُؤهَّل الهيئة وتُميَّز وتُستقل، وأن تصير مؤسسة سيادية لها الولاية على كل ما ينبت في أرض السودان، بما فيه الأعلاف وما يغذي الضرع. ولا بد أن يكون لها نصيبٌ مقرّر في كل بذرة تبتكرها، باتفاق مع المزارعين وشركات الإكثار.
اليوم، لا نحتاج إلى أن نسأل فقط: كيف نعيد بناء هيئة البحوث الزراعية؟ بل السؤال الأهم هو: هل نريد أن نعيدها كما كانت، أم نعيد بناءها بما يليق بالسودان الذي يجب أن يولد من رحم هذه الحرب؟
فالبلد الذي يريد أن يحقق أمنه الغذائي، ويحمي موارده الوراثية، ويقلل ارتهانه للخارج، ويعيد الزراعة إلى موقعها كقاطرة للاقتصاد، لا يستطيع أن يترك عقله الزراعي ينتظر على هامش الطريق.
قبل أكثر من مئة عام، زرع المستعمر بذرة البحث الزراعي في ودمدني، فأنبتت قمحاً وقطناً وسمسماً غطّى حاجة السودان، بل وفاض لتصديره إلى جيرانه. اليوم، بعد أن دُمّرت الحقول وأُحرقت المعامل وشُرِّد العلماء، لم يبقَ إلا إرادة سياسية واعية، واستثمار بشري حقيقي، ورؤية سيادية جريئة لإعادة إحياء هذه البذرة.
فإن أُهملت الهيئة وعلمائها وباحثوها، ضاع الأمن الغذائي، وبيع التراث الوراثي، واستُعبِد المزارع السوداني لتقاوي الشركات الأجنبية. وإن أُعيد تأهيلها، عاد السودان “سلة غذاء العالم”، واستعاد كرامته وسيادته. الخيار بين يدي صانعي القرار: إما أن تكون الهيئة عماد النهضة، أو أن تكون مجرد ذكرى في أرشيف النسيان.










